بنغازي 01 أغسطس 2026 (الأنباء الليبية) – دعت دراسة أكاديمية إلى إعادة صياغة الفلسفة العقابية في ليبيا، والانتقال من نموذج العدالة الإقصائية إلى سياسة عقابية تنموية تستند إلى معايير قياس الأثر، وتربط كفاءة المنظومة العقابية بأهداف التنمية المستدامة، بما يُسهم في خفض معدلات العود إلى الجريمة وتعزيز فرص إعادة الإدماج الاجتماعي.
وجاء ذلك في دراسة بعنوان “البعد التنموي للسياسة العقابية الحديثة: مقاربة تنموية مستدامة ضمن المسار الوطني لإصلاح منظومة السجون في ليبيا”، أعدتها الباحثة عايدة أحمد بعيو، وقدمت ضمن أعمال المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح.
وتناولت الدراسة التحولات الجذرية في الفلسفة العقابية المعاصرة، التي أكدت على ارتباط العدالة الجنائية الوثيق بقضايا الأمن الإنساني والتنمية المستدامة وإدارة المخاطر الاجتماعية، معتبرةً أن السياسات العقابية التقليدية المبنية على أدوات العزل والإقصاء باتت في مأزق وظيفي حقيقي، يتمثل في مفارقة إعداد النزيل للحرية في بيئة تسلب منه الحرية وتوصمه بأنه من ذوي السوابق.
ورصدت الدراسة أبرز مظاهر الفجوة التنموية التي تواجهها مؤسسات الإصلاح والتأهيل في ليبيا، ومن بينها أزمة الحبس الاحتياطي الذي تحول من إجراء استثنائي إلى وسيلة اعتيادية وعقوبة مقنعة، والاكتظاظ الشديد الذي يفوق الطاقة الاستيعابية للسجون ويحولها إلى بيئة خصبة لتبادل الخبرات الإجرامية، وضعف البرامج التأهيلية ومحدودية التدريب المهني، وغياب منظومة العقوبات البديلة والرعاية اللاحقة.
وبينت الدراسة أن التشريع الليبي يفتقر إلى تنظيم مرن لبدائل العقوبات السالبة للحرية، كما تنعدم برامج الدعم والرعاية اللاحقة بعد الإفراج، مما يترك المفرج عنه في مواجهة مباشرة مع رفض المجتمع والبطالة، وينتهي به الأمر إلى العود للجريمة.
واستعرضت الدراسة المرجعيات النظرية للسياسة العقابية التنموية، مستندة إلى نظريات العدالة التأهيلية، ونظرية الابتعاد عن الجريمة، وأطر الإدماج متعدد التخصصات، مؤكدة أن نجاح العملية التأهيلية لا يرتبط بالوفرة المادية للمؤسسات الإصلاحية بقدر ارتباطه بمستوى المناخ الإنساني السائد فيها، وأن المؤسسات التي تُدار على أسس العدالة التأهيلية تحقق معدلات نجاح مرتفعة في التغيير السلوكي.
كما أشارت الدراسة إلى أهمية الربط المباشر بين السياسة العقابية وأهداف التنمية المستدامة لعام 2030، ولا سيما الهدف السادس عشر المتعلق بالسلم والعدل وبناء المؤسسات القوية، والهدف الثامن المتعلق بالعمل اللائق ونمو الاقتصاد، والهدف الرابع المتعلق بالتعليم الجيد، والهدف الثالث المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه.
ودعت الدراسة إلى تحويل المؤسسات الإصلاحية الليبية من مراكز لتنفيذ العقوبة وحراسة النزلاء إلى مؤسسات لخدمة العدالة التأهيلية وإدارة التغيير السلوكي، من خلال إعادة تأهيل الكوادر الأمنية العاملة في السجون عبر برامج تدريبية متخصصة، وإخضاع الإدارة العقابية لمعايير أداء تعتمد على نسب نجاح النزلاء في البرامج الإصلاحية.
كما أوصت الباحثة باعتماد مؤشرات رقمية لقياس نجاح السياسة العقابية، منها: مؤشر الكثافة الاستيعابية، ونسبة المحبوسين احتياطيًا إلى إجمالي النزلاء، ومعدل خفض العود للجريمة، ومعدل الاندماج في سوق العمل، ومعدل التحصيل التعليمي والمهني، ومؤشر كفاءة الإنفاق العقابي، إلى جانب إقرار قائمة مؤشرات أداء رقمية تلزم إدارات السجون بتقديم تقارير دورية حولها.
وأوصت الدراسة بوضع خارطة طريق زمنية تتضمن إصلاحات تشريعية عاجلة لتفعيل العقوبات البديلة، وتوسيع نظام الإفراج المشروط، وتأسيس “المرصد الوطني للسياسة العقابية والجنائية” في ليبيا ليكون هيئة مستقلة تتبع السلطة التشريعية أو القضائية العليا، تتولى جمع البيانات ميدانياً، ورصد معدلات العود للجريمة، وتقييم أثر العقوبات اقتصاديًا واجتماعيًا بصورةٍ مستمرة، بما يُسهم في صنع سياسات عقابية تنموية قائمة على الدليل المعزز إحصائياً.
وأكدت الدراسة على أهمية تفعيل الشراكات بين وزارة العدل والقطاع الخاص، عبر إقامة ورش ومصانع إنتاجية داخل السجون تضمن منح النزلاء أجوراً عادلة وتوفر لهم فرص عمل حقيقية فور الإفراج، وإدماج برامج التعليم الجامعي والتقني عن بُعد، وتوظيف الأعراف المجتمعية ومجالس الحكماء كروافد للعدالة التصالحية في تسهيل منح المفرج عنه “صك غفران اجتماعي” يحميه من العود الإجرامي.
كما تطرقت الدراسة إلى إشكالية الوصم القانوني، داعيةً إلى مراجعة نصوص قانون الإجراءات الجنائية المتعلقة برد الاعتبار، وتبني اتجاهات حديثة لإقرار الحق في النسيان الجنائي، الذي يلزم حجب السجلات الجنائية الرقمية عبر محركات البحث للمفرج عنهم الذين ثبت كفهم عن الجريمة، حماية لخصوصيتهم وتيسيراً لتوظيفهم.
وخلصت الدراسة إلى أن نجاح السياسة العقابية يُقاس بمدى انخفاض معدلات العود للجريمة وتحسن فرص الإدماج الاجتماعي، وليس بشدة العقوبات أو الطاقة الاستيعابية للسجون، مؤكدةً أن إصلاح السجون ليس مشروعًا خاصًا بوزارة العدل وحدها، بل هو مشروع دولة استراتيجي يرتبط بالأمن والتنمية والاستقرار الاقتصادي، وأن الانتقال من سياسة عقابية قائمة على الردع والقهر إلى سياسة عقابية قائمة على التنمية المستدامة لم يعد خيارًا فكريًا، بل أصبح ضرورة حتمية لإعادة بناء منظومة العدالة في ليبيا. (الأنباء الليبية – بنغازي) ر ت