بنغازي 01 أغسطس 2026 (الأنباء الليبية) – أكدت دراسة أكاديمية متخصصة أن العدالة التصالحية تمثل أحد أبرز الاتجاهات الحديثة في السياسة الجنائية، لما تؤديه من دور في بناء السلام المجتمعي، وتعزيز الإصلاح القانوني، وتحقيق التوازن بين حقوق الضحايا والجناة ومصلحة المجتمع، داعية إلى تبني تشريعات وآليات مؤسسية تدعم تطبيق هذا النهج في الدول العربية.
وجاءت هذه النتائج في دراسة بعنوان “العدالة التصالحية ودورها في بناء السلام المجتمعي والإصلاح القانوني.. رؤية قانونية معاصرة في ضوء التشريعات والمواثيق الدولية”، أعدها المستشار الدكتور السيد جهمي داود، وقدمت ضمن أعمال المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح.
وأوضحت الدراسة أن العدالة التصالحية تقوم على معالجة الآثار المترتبة على الجريمة من خلال إشراك الضحية والجاني والمجتمع في عملية تسوية تهدف إلى إصلاح الضرر، وتعزيز المسؤولية، وإعادة بناء الثقة، بدلاً من الاقتصار على العقوبة التقليدية بوصفها الوسيلة الوحيدة لتحقيق العدالة.
وأشارت إلى أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة أظهرت الحاجة إلى تطوير فلسفة العدالة الجنائية، بما يحقق حماية المجتمع ويحد من معدلات العود إلى الجريمة، مع الاهتمام بحقوق الضحايا وآثار الجريمة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، وهو ما جعل العدالة التصالحية تحظى باهتمام متزايد من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
واستعرضت الدراسة المرجعية القانونية الدولية للعدالة التصالحية، مبينة أن اعتماد المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة عام 2002 لمبادئ استخدام برامج العدالة التصالحية في المسائل الجنائية شكّل محطة رئيسية في الاعتراف بهذا النهج، إلى جانب انسجامه مع المبادئ الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل.
كما تناولت الدراسة أبرز الضمانات التي يقوم عليها تطبيق العدالة التصالحية، ومنها المشاركة الطوعية للأطراف، وإمكانية الانسحاب من الإجراءات في أي مرحلة، والحفاظ على السرية، وإدارة جلسات التسوية بواسطة مختصين يتمتعون بالحياد والاستقلال، مع خضوع الإجراءات لرقابة القضاء بما يكفل حماية الحقوق ومنع إساءة استخدام هذا النظام.
وفي سياق التجارب المقارنة، أشارت الدراسة إلى نجاح عدد من الدول في توظيف برامج العدالة التصالحية، مستشهدة بتجارب نيوزيلندا في مؤتمرات الأسرة الخاصة بالأحداث، وكندا في برامج الوساطة بين الجاني والضحية، وجنوب أفريقيا في توظيف مبادئ العدالة التصالحية في مرحلة ما بعد الفصل العنصري، بما أسهم في تعزيز المصالحة المجتمعية وخفض معدلات العود إلى الجريمة.
ورصدت الدراسة عدداً من التحديات التي تواجه تطبيق العدالة التصالحية، من بينها غياب التشريعات المنظمة في بعض الدول، وضعف الوعي المجتمعي، ونقص الكوادر المؤهلة لإدارة برامج الوساطة، إلى جانب الحاجة إلى ضمانات قانونية تحول دون إساءة استخدام هذه الآليات.
وأوصت الدراسة بسن تشريعات تنظم تطبيق العدالة التصالحية، وإنشاء مراكز متخصصة للوساطة والتسوية، وتأهيل القضاة وأعضاء النيابة والمحامين على آلياتها، وإدراج مفاهيمها في البرامج الجامعية والتدريبية، وتعزيز التعاون مع المنظمات الدولية، ودعم دور مؤسسات المجتمع المدني في نشر ثقافة الحوار والتسامح، مع قصر تطبيقها على الجرائم التي يسمح بها القانون وبما لا يمس حقوق الضحايا أو مقتضيات العدالة.
وخلصت الدراسة إلى أن العدالة التصالحية تمثل تحولاً نوعياً في الفكر القانوني المعاصر، إذ تعيد صياغة مفهوم العدالة على أساس تحقيق التوازن بين حقوق الضحية، وإصلاح الجاني، ومصلحة المجتمع، مؤكدة أن نجاح هذا النهج يتطلب منظومة متكاملة تشمل التشريعات، والتأهيل المؤسسي، ونشر الثقافة القانونية، بما يسهم في بناء سلام مجتمعي مستدام وتعزيز سيادة القانون. (الأنباء الليبية) س خ.