بنغازي 27 يوليو 2026 (الأنباء الليبية)- قبل أسابيع من إعلان نتائج الشهادة الثانوية، كان وسام حسين يرسم ملامح مستقبله بثقة، أمضى عاماً دراسياً كاملاً محافظاً على تفوقه، وكانت درجاته تؤهله لتحقيق حلمه بالالتحاق بالتخصص الذي يطمح إليه. لكن أيام الامتحانات النهائية غيّرت مسار تلك الخطة.
وقال وسام: “كنت من الطلبة المتفوقين طوال العام، وكانت درجاتي تعكس حجم الجهد الذي بذلته، لكن خلال فترة الامتحانات تعرضت لوعكة صحية أثرت على تركيزي وأدائي. بعد إعلان النتيجة اكتشفت أن مجموعي لم يعد يؤهلني للتخصص الذي كنت أطمح إليه، وشعرت أن تعب عام كامل ضاع بسبب ظرف لم يكن بيدي.”
ولا تعد قصة وسام حالة فردية، إذ يواجه عدد من طلبة الشهادات العامة سنوياً ظروفاً صحية أو نفسية أو اجتماعية خلال فترة الامتحانات النهائية، تنعكس على نتائجهم رغم محافظتهم على مستويات دراسية مرتفعة طوال العام، ما يثير تساؤلات بشأن مدى قدرة نظام توزيع الدرجات على قياس المستوى الحقيقي للطالب.
ويستند نظام توزيع الدرجات في ليبيا إلى قرار مجلس الوزراء رقم (1013) لسنة 2022 بشأن لائحة تنظيم شؤون التربية والتعليم.
وبموجب اللائحة، تُخصص لصفوف النقل في مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي 40% من الدرجة لأعمال الفصلين الدراسيين، مقابل 60% للامتحانات النهائية، بينما تُحتسب في صفوف الشهادات العامة، التاسع الأساسي والثالث الثانوي، 30% فقط لأعمال السنة، مقابل 70% للامتحان النهائي الموحد.
دعوة لمراجعة نظام التقييم
وقال رئيس الجمعية الليبية للجودة والتميز في التعليم، حسين سالم مرجين، إن “نظام توزيع الدرجات الحالي يحتاج إلى مراجعة تواكب فلسفة التقييم الحديثة، بحيث يقيس أداء الطالب المستمر، لا نتيجة امتحان واحد.”
وأضاف أن “تخصيص 30% فقط لأعمال السنة مقابل 70% للامتحان النهائي يجعل مستقبل الطالب مرتبطاً بفترة لا تتجاوز بضعة أسابيع، قد تتخللها ظروف صحية أو نفسية أو اجتماعية تؤثر في أدائه.”
ورأى أن “هذا الواقع يدفع كثيراً من الطلبة إلى التركيز على الحفظ والاستعداد المكثف للامتحان النهائي على حساب تنمية مهارات التفكير والبحث والإبداع، لتتحول المدرسة تدريجياً إلى محطة للتحضير للاختبارات بدلاً من أن تكون بيئة لبناء المعرفة.”
وأكد أن “العدالة التربوية تقتضي أن يعكس التقييم رحلة الطالب التعليمية كاملة، وليس أداءه في أيام معدودة.”
واقترح مرجين إعادة النظر في توزيع الدرجات بصورة تدريجية، تبدأ برفع وزن أعمال السنة إلى 40% مقابل 60% للامتحان النهائي، وصولاً إلى نظام يمنح كلاً منهما 50% بعد تهيئة البيئة التعليمية.
وأضاف أن “أعمال السنة يجب ألا تقتصر على الاختبارات التحريرية، بل تشمل المشاريع البحثية والأنشطة العملية والتطبيقات وحلقات النقاش، بما يسمح بقياس المهارات إلى جانب التحصيل العلمي.”
كما دعا إلى “رقمنة درجات أعمال السنة وربطها بمنظومة إلكترونية تمنع التعديل العشوائي، وتفعيل دور التفتيش التربوي لضمان نزاهة التقييم، وتدريب المعلمين على أساليب حديثة لقياس الأداء، وإدراج أسئلة تقيس الفهم والتحليل في الامتحانات النهائية بدلاً من الاعتماد على الحفظ والاسترجاع.”
إعادة نظر وتطوير
من جانبه، قال مدير مكتب الدراسة والامتحانات بمراقبة التربية والتعليم بنغازي، سعيد ماضي، إن “الامتحانات تمثل الحلقة الأخيرة في العملية التعليمية، ومن خلالها يمكن التعرف على مواطن القوة والضعف، بما يساعد على وضع خطط التطوير والمعالجة.”
وأضاف أن “نظام توزيع الدرجات الحالي يحتاج بالفعل إلى إعادة نظر وتطوير، إلا أنه في ظل الظروف الراهنة يعد مقبولاً إلى حد كبير.”
وأشار إلى أن “التحدي الأكبر لا يتعلق بنسبة توزيع الدرجات فقط، وإنما بآليات تقييم أعمال السنة داخل المدارس.”
وأوضح أن “التقييم داخل المدرسة ليس عادلاً بالشكل المطلوب، ففي بعض الحالات يتساوى الطالب المجتهد مع الطالب المهمل في درجات أعمال السنة، وهو ما يؤكد الحاجة إلى تطوير أدوات التقييم قبل إجراء أي تعديل جوهري في توزيع الدرجات.”
وأكد أن “نجاح أي تعديل مستقبلي يتطلب وجود معايير موحدة ورقابة فعالة تضمن عدالة منح درجات أعمال السنة بين جميع المدارس، حتى تعكس المستوى الحقيقي للطالب.”
وبين الدعوات إلى مراجعة فلسفة التقييم، والتحذيرات من التوسع في أعمال السنة قبل ضبط آلياتها، يبقى الهدف المشترك، بحسب المختصين، الوصول إلى منظومة أكثر عدالة توازن بين أداء الطالب طوال العام ونتيجته في الامتحان النهائي.
وبين قصة وسام ودعوات المختصين إلى تطوير آليات التقييم، يبقى السؤال مطروحاً: هل يعكس نظام توزيع الدرجات المستوى الحقيقي للطالب؟. (الأنباء الليبية) ك و
تقرير: أحلام الجبالي