بنغازي 22 يونيو 2026 (الأنباء الليبية) – في ظل التحديات المتراكمة التي تواجه قطاع التعليم في ليبيا، يبرز المشروع الوطني لإعادة هيكلة التعليم وربط مساراته بتقنيات التنمية المستدامة ومواءمته مع متطلبات سوق العمل، الذي أطلقه المجلس الوطني للتطوير الاقتصادي والاجتماعي، كإحدى المحاولات الهادفة إلى معالجة اختلالات ممتدة لعقود، شملت ضعف التخطيط، وتضارب البيانات، والتوسع غير المدروس في المؤسسات التعليمية.
ويرى رئيس الجمعية الليبية للجودة والتميز في التعليم، حسين سالم مرجين، أن نقطة البداية الحقيقية لأي مشروع إصلاحي يجب أن تنطلق من سؤال جوهري: ماذا نريد من التعليم في ليبيا؟ مؤكداً أن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد الأهداف الوطنية للتعليم، وترسم ملامح المواطن الذي تسعى الدولة إلى إعداده من خلال منظومتها التعليمية.
التعليم العام.. مشكلات قديمة بلا حلول جذرية
ويؤكد مرجين أن التعليم العام لا يزال يعاني من تحديات مزمنة، على رأسها غياب الأهداف الاستراتيجية الواضحة للمناهج، إضافة إلى التضخم الكبير في الكادر البشري، نتيجة تحول القطاع في كثير من الأحيان إلى وسيلة لمعالجة مشكلة البطالة بعيداً عن الاحتياجات الحقيقية للعملية التعليمية.
ويشير إلى أن أزمة البيانات تُعد من أبرز العوائق أمام أي مشروع تطوير، موضحاً أن غياب الإحصائيات الدقيقة حول المدارس والكوادر والطلاب يجعل التخطيط عملية تقوم على تقديرات غير مؤكدة، وهو ما يتطلب مشروعاً وطنياً عاجلاً للحصر والتوثيق الرقمي الشامل.
التعليم العالي.. هل تحتاج ليبيا إلى كل هذه الجامعات؟
وفيما يتعلق بالتعليم العالي، يرى مرجين أن التوسع في إنشاء الجامعات والكليات خلال السنوات الماضية يفرض مراجعة حقيقية لمدى الحاجة إليها، مؤكداً أن تأسيس مؤسسات تعليمية جديدة يجب أن يستند إلى دراسات جدوى تخطيطية واحتياجات فعلية، لا إلى اعتبارات اجتماعية أو جغرافية أو ضغوط محلية.
ويضيف أن أحد أبرز أوجه الخلل يتمثل في غياب الفصل بين التخطيط والتنفيذ والتقييم، حيث لا يمكن للجهة ذاتها أن تضع السياسات، وتنفذها، وتقيم نتائجها في الوقت نفسه، الأمر الذي أدى إلى استمرار الحلقة ذاتها دون تحقيق تحول تنموي ملموس.
التعليم التقني والفني.. توسع شكلي وتخصصات متكررة
وحول التعليم التقني والفني، يوضح مرجين أن هذا المسار يعاني هو الآخر من التشتت والتوسع غير المنظم، من خلال تكرار التخصصات وتحويل بعض المعاهد إلى كليات دون أن يرافق ذلك تطوير حقيقي للمناهج أو بناء برامج تعليمية تستجيب لمتطلبات الاقتصاد الوطني.
ويشدد على أن استحداث أي تخصصات جديدة يجب أن يكون مبنياً على دراسات علمية واحتياجات حقيقية لسوق العمل، وليس استجابة لقرارات آنية أو مطالب غير قائمة على أسس تخطيطية واضحة.
من يخطط للتعليم في ليبيا؟
ويطرح مرجين تساؤلاً محورياً يتعلق بالجهة التي ينبغي أن تتولى رسم السياسات التعليمية، مؤكداً أن الأزمة لا تكمن في نقص الرؤى أو الخطط، بل في آليات تنفيذها، خاصة في ظل حالة الانقسام المؤسسي والتداخل بين الجهات المعنية بالتخطيط والتنفيذ.
ويؤكد أن الحل يتمثل في إنشاء مجلس أعلى للتعليم يتمتع بالاستقلالية والشرعية القانونية، يتولى رسم الاستراتيجيات والسياسات العامة لكافة المسارات التعليمية، على أن تتفرغ الوزارات للجانب التنفيذي، بينما تضطلع الجهات المختصة بضمان الجودة بمهام التقييم والاعتماد بعيداً عن أي تأثير إداري.
ضمان الجودة وقاعدة البيانات.. مفاتيح الإصلاح
ويشير مرجين إلى أن نجاح أي مشروع وطني لإصلاح التعليم يتطلب أيضاً إعادة النظر في وضع المركز الوطني لضمان جودة واعتماد المؤسسات التعليمية والتدريبية، بما يكفل استقلاليته وقدرته على تطبيق معايير الجودة المحلية والدولية.
كما يدعو إلى إطلاق مشروع وطني للحصر الرقمي الشامل للمدارس والجامعات والمعاهد والطلاب والعاملين، بهدف بناء قاعدة بيانات دقيقة يمكن الاعتماد عليها في رسم السياسات واتخاذ القرارات.
خارطة طريق لإنقاذ التعليم
ويختتم مرجين رؤيته بالتأكيد على أن إصلاح التعليم في ليبيا لن يتحقق بإعداد مزيد من الخطط والوثائق، بل بوجود إرادة حقيقية لتطبيق الإصلاحات، ووقف التوسع العشوائي في المؤسسات التعليمية، وربط مخرجات التعليم باحتياجات التنمية وسوق العمل.
ويؤكد أن المشروع الوطني المطروح يمثل فرصة لإعادة توجيه بوصلة التعليم، لكنه يحتاج إلى مؤسسات مستقلة للتخطيط والمتابعة، وإلى قرارات جريئة تعالج جذور الأزمة، حتى لا تتحول الخطط الجديدة إلى وثائق تُضاف إلى أرشيف المشاريع التي لم ترَ طريقها إلى التنفيذ. (الأنباء الليبية) ص و.
متابعة: أحلام الجبالي