بنغازي 26 فبراير 2026 (الأنباء الليبية) – تشهد الأحياء الليبية خلال شهر رمضان مشهدًا يتكرر كل عام؛ تنور طيني يتصاعد منه الدخان معلنًا قرب الإفطار، ورائحة خبز ساخن ممزوج بخشب الزيتون تملأ الأزقة، فيما تنتظم طوابير الزبائن في انتظار أرغفتهم. غير أن الهاتف الذكي أصبح عنصرًا حاضرًا بقوة في هذا المشهد التقليدي، ناشرًا صور السفنز والزلابيا قبل خروجها من الزيت، ومحوّلًا عربات العصير إلى منشورات رقمية تنتظر التفاعل.
يقف الحاج مفتاح التاورغي أمام تنوره الذي ورثه عن والده، ويقول إن الزبائن في السابق كانوا يسألون عنه بالاسم، أما اليوم فيتواصلون عبر الهاتف قبل مغادرة منازلهم لحجز الخبز، مشيرًا إلى أن بعضهم يغضب عند نفاد الكمية، بينما يصل آخرون قبل موعد الإفطار بناءً على الحجز المسبق.
وقد دفع هذا التحول العديد من أصحاب التنور إلى إنشاء صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لعرض صور الخبز وتحديد أوقات العمل، والرد على الطلبات عبر الرسائل الخاصة، في محاولة للجمع بين التراث والأدوات الرقمية الحديثة.
وفي سوق الحلويات الشعبية، يؤكد الشاب أنس الزوي، الذي يقف خلف قدر الزيت قبيل المغرب بدقائق، أن المنافسة لم تعد مقتصرة على المحال المجاورة، بل امتدت إلى صفحات إلكترونية تبيع وتوفر خدمة التوصيل للمنازل، تديرها في كثير من الأحيان نساء من داخل بيوتهن.
ويضيف الزوي، أنه بدأ هذا العام نشر مقاطع قصيرة لعملية القلي على صفحته، ما انعكس بشكل مباشر على زيادة الطلبات، في مؤشر واضح على تأثير الحضور الرقمي في حجم المبيعات.
أما سالم الدرسي، الذي يمارس بيع العصائر الطبيعية منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، فيرى أن الغياب عن الفضاء الإلكتروني يعني خسارة جزء من السوق، مؤكدًا أن التكنولوجيا وفرت وقتًا وجهدًا، وأتاحت عرض المنتجات عبر الصفحات الرقمية بدل الاعتماد الكامل على البيع المباشر في الشارع.
وتشير تقديرات عدد من التجار المحليين إلى أن مبيعات الحلويات الشعبية في رمضان ترتفع بما لا يقل عن ستين في المائة (60%) مقارنة ببقية أشهر السنة، فيما يشهد قطاع العصائر زيادة ملحوظة قبيل الإفطار. ويؤكد مختصون في الاقتصاد المحلي أن التحول الرقمي في المواسم الدينية لم يُلغِ المهن التقليدية، بل غيّر أدوات المنافسة، مضيفًا عنصر السرعة والانتشار الأوسع.
ويرى باحثون اجتماعيون أن الجوهر الرمضاني لا يختفي بسهولة، لكنه يتبدل في الشكل، إذ منحت التكنولوجيا هذه المهن فرصة الوصول إلى أحياء ومناطق أبعد، مع بقاء التحدي في الحفاظ على البعد الاجتماعي الذي كانت تصنعه طقوس الشراء الجماعي.
وبين حرارة التنور وإشعارات الهاتف، يستمر رمضان الليبي جامعًا بين الأصالة والابتكار، حيث لم تُلغِ التكنولوجيا المهن الرمضانية، بل أعادت صياغتها بما يتناسب مع العصر الرقمي.(الأنباء الليبية – بنغازي) أ د
متابعة: هدى الشيخي