بنغازي 02 فبراير 2026 (الأنباء الليبية) ـ خلف الأبواب المغلقة للبيوت الليبية، يتشكل عالم غير مرئي تقوده الهجرة غير النظامية، وتديره شبكات وساطة نسوية تُعرف محليًا باسم “البوقا”.
في هذا العالم، تتحول العاملات المنزليات الإفريقيات من باحثات عن لقمة العيش إلى ضحايا منظومة استغلال معقدة، تتقاطع فيها الحاجة بالصمت، وغياب القانون بالربح السريع.
نساء على هامش القانون
بحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة، تجاوز عدد المهاجرين غير النظاميين في ليبيا 900 ألف مهاجر من أكثر من 45 جنسية حتى منتصف عام 2025، وتشكل النساء نحو 11% منهم.
وتشير تقارير أممية، إلى أن 91% من المهاجرين لا يمتلكون أوراقًا قانونية أو تصاريح عمل، ما يضعهم في دائرة هشاشة قانونية مضاعفة، تجعل النساء على وجه الخصوص فريسة سهلة للاستغلال.
ضمن هذا الواقع، تتجه الغالبية العظمى من النساء المهاجرات إلى العمل المنزلي، إذ تعمل نحو 75% منهن في تنظيف البيوت أو رعاية الأطفال، دون عقود، أو حماية قانونية، أو حد أدنى للأجور.
رحلة تبدأ بالهجرة… ولا تنتهي بالعمل
تبدأ القصة في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، حيث تُسوَّق الهجرة إلى ليبيا كفرصة عمل سريعة. لكن الطريق غالبًا ما يكون غير شرعي، محفوفًا بالمخاطر، وينتهي بديون تُفرض على النساء فور وصولهن، إذ تتراوح تكلفة الرحلة بين 1500 و2000 دولار للمهاجرة الواحدة.
روت عاملة منزلية من غرب إفريقيا (24 عامًا)، في شهادة: “قالوا لي إنني سأعمل ستة أشهر فقط، لكني عملت عامًا كاملًا دون راتب. كانت البوقا تقول إن المال يُخصم لسداد الطريق”.
وأكملت، “لم يكن لي حق السؤال أو الطلب، سوى القليل من مستلزماتي الشخصية، وكانت تبيعني من منزل إلى آخر كل ثلاثة أو ستة أشهر لتحصل على عمولة إضافية.”
هذه “الديون”، التي لا تُوثق بعقود، تتحول إلى أداة لإجبار العاملات على العمل القسري داخل المنازل.
“البوقا”.. الوسيطة التي لا تُرى
داخل منظومة شبكات التهريب، تنشط نساء يُطلق عليهن محليًا اسم “البوقا”، وهن وسيطات يتولين استقدام العاملات وتوزيعهن على البيوت وتحصيل أجورهن. ووفق ما رصده التحقيق، تعمل “البوقا” على تشغيل العاملة لمدة عام أو عام ونصف دون تسليمها راتبها، لسداد قيمة جلبها التي يصل متوسطها إلى 12 ألف دينار ليبي.
وتوفر الوسيطة للعاملات الحد الأدنى من المستلزمات الشخصية طوال فترة “سداد الدين”، إلى جانب نقل العاملة بين عدة بيوت كل ثلاثة أشهر، مقابل عمولات تتراوح بين 400 و600 دينار ليبي عن كل عملية نقل.
وقالت عاملة سابقة تحولت لاحقًا إلى وسيطة: “بعد سنة ونصف، قالوا لي إما أن أساعد في جلب بنات أخريات، أو أعمل وحدي براتب ضعيف. لم أفهم أنني أصبحت جزءًا من نفس الدائرة إلا متأخرًا.”
أسماء مستعارة… وهوية ضائعة
خوفًا من الترحيل أو الرفض الاجتماعي، تلجأ كثير من العاملات إلى استخدام أسماء عربية أو إسلامية، رغم أن بعضهن غير مسلمات. هذه الممارسة، وإن بدت شكلية، تعكس طمسًا للهوية وواقعًا قاسيًا تُختزل فيه إنسانية العاملة في وظيفتها فقط.
العائلات الليبية.. بين الحاجة والجهل
لا يبرئ التحقيق العائلات الليبية من المسؤولية، لكنه يكشف أن جزءًا منها لا يدرك حجم الاستغلال القائم.
بيّنت ربة بيت ليبية، فضّلت عدم نشر اسمها، أن “الوسيطة قالت إن كل شيء طبيعي. لاحقًا اكتشفنا أن العاملة لا تستلم راتبها. شعرنا أننا تورطنا في أمر أكبر منا.”
ويُسهم غياب قنوات رسمية لتشغيل العمالة المنزلية في دفع العائلات للاعتماد على الوسطاء، دون القدرة على التحقق من قانونية الوضع. وفي الوقت نفسه، تنشط مجموعات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تروّج لهذه “الخدمات”، ما يزيد من رواج السوق الخفي بفعل ارتفاع الطلب على العاملات المنزليات.
ما يحدث.. اتجار بالبشر
الخبير القانوني الليبي المختص بقضايا الاتجار بالبشر سالم القمودي يؤكد في حديث لوكالة الأنباء الليبية، أن “إجبار امرأة على العمل لسداد دين، ونقلها بين بيوت مقابل عمولات، يندرج صراحة ضمن تعريف الاتجار بالبشر وعبودية الديون وفق القانون الدولي.”
من جانبها، قالت الباحثة في شؤون الهجرة سالمة الطويل: إن “النساء المهاجرات في ليبيا يعشن عند تقاطع ثلاث هشاشات: الهجرة غير النظامية، والعمل غير المنظم، وغياب الحماية، وهو مزيج شديد الخطورة.”
أرقام تكشف عمق الأزمة
تشير تقارير حقوقية إلى أن أقل من 40% من النساء المهاجرات يحصلن على فرص عمل، مقارنة بـ79% من الرجال، فيما تعمل الغالبية دون عقود أو أجر ثابت، وتتعرض نسبة كبيرة منهن للاستغلال الاقتصادي أو النفسي. وتبقى هذه الأرقام تقديرية، نظرًا لعمل كثيرات في الخفاء.
سوق سوداء للعمالة المنزلية
ورغم وجود قوانين ليبية تجرّم الاتجار بالبشر، تشهد العمالة المنزلية غير المنظمة ارتفاعًا ملحوظًا، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة جلب العمالة بالطرق الرسمية، التي تصل إلى 7500 دولار، مقابل راتب شهري لا يتجاوز 200 دولار. في المقابل، لا تتجاوز كلفة العمالة غير النظامية، مع العمولة، 2000 دينار ليبي شهريًا كحد أقصى.
في حديث لوكالة الأنباء الليبية، قال رائد محمد البدري، مدير قسم الشؤون السرية بجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية: إن“أي شخص يعمل أو يساعد على إدخال مهاجرين بطرق غير قانونية، أو يسهل عملهم خارج سلطة الدولة، يُعد تاجر بشر”.
البدري شدد، على أن تشغيل عمالة لا تمتلك وثائق ثبوتية أو دخلت البلاد بشكل غير شرعي يندرج ضمن هذا الإطار، لافتًا إلى أن أغلب العاملات غير النظاميات من النساء يأتين من النيجر أو إثيوبيا.
ما وراء الأبواب المغلقة
تكشف ظاهرة العاملات الإفريقيات في ليبيا قصة إنسانية معقدة، لا تبدأ عند الحدود ولا تنتهي عند باب البيت. إنها قصة نساء عالقات بين الحاجة والخوف.
ويبقى السؤال: هل ستظل الحاجة إلى العاملة المنزلية مبررًا لصمت يتّسع خلف أبوابه هذا السوق الخفي الذي تديره شبكات التهريب والاتجار بالبشر؟. (الأنباء الليبية ـ بنغازي) ه ع
تحقيق: هدى الشيخي