طرابلس 01 فبراير 2026 (الأنباء الليبية) – يتركز النقاش العام في الشارع الليبي، مع تكرار اختفاء بعض السلع الأساسية وارتفاع أسعارها، على مظاهر الأزمة مثل تحديد الأسعار أو ضعف الرقابة، بينما يبقى أصل المشكلة أقل تناولًا، رغم كونه العامل الحاسم فيما يجري داخل الأسواق.
ويتمثل هذا الأصل، بحسب مراقبين وخبراء اقتصاديين، في طريقة إدارة الاعتمادات المستندية، وما يرتبط بها من تسرب النقد الأجنبي والمضاربة في السوق السوداء.
الاعتمادات المستندية: من أداة استيراد إلى مصدر اختلال
يُفترض أن تُمنح الاعتمادات المستندية لتأمين استيراد السلع الأساسية وتوفيرها للمواطن بأسعار مستقرة، غير أن الواقع، وفق خبراء الاقتصاد في ليبيا، يشير إلى عدة اختلالات، أبرزها، تركّز الاعتمادات في أيدي عدد محدود من كبار التجار، ضعف التحقق من مطابقة قيمة الاعتماد للكميات المستوردة فعليًا، توريد جزئي للسلع مقابل اعتماد كامل، غياب الشفافية في نشر بيانات الاعتمادات والمستفيدين منها.
وبحسب تقارير سابقة وثقتها وكالة الأنباء الليبية، فإن بعض التجار يوردون جزءًا محدودًا من السلع، ويستخدمون بقية قيمة الاعتماد في أنشطة أخرى، من بينها توريد الدولار نقدًا وضخه في السوق السوداء، ما يؤدي مباشرة إلى شحّ السلع وارتفاع أسعارها.
من السلع إلى الدولار: حلقة المضاربة
يرى اقتصاديون أن الأخطر في الحالة الليبية هو أن أزمة السلع لا تنفصل عن أزمة الدولار في السوق الموازية. ففي ظل فارق السعر بين الدولار الرسمي والموازي، وضعف الرقابة على مسار الاعتماد بعد فتحه، تتحول بعض الاعتمادات إلى قناة غير مباشرة لتغذية السوق السوداء بالنقد الأجنبي، سواء عبر إعادة تدوير الدولار خارج ليبيا أو استبداله نقدًا بطرق غير رسمية، وهو ما يفسر، جزئيًا، استمرار توفر الدولار في السوق السوداء، حتى من الطبعات الحديثة.
من أين يأتي الدولار إلى ليبيا رغم الحظر؟
رغم خضوع ليبيا لقيود تمنع توريد الدولار نقدًا إلى مصارفها، إلا أن مصادر متعددة ما تزال تغذي السوق الموازية، من أبرزها تسرب النقد الأجنبي من داخل المنظومة المصرفية، عبر شبكات وساطة أو تلاعب داخلي، أو من خلال سحب غير مشروع. إضافة إلى ذلك، فإن الاعتمادات المستندية نفسها لا تتحول كامل قيمتها إلى سلع، إذ يُعاد ضخ جزء منها في السوق السوداء.
التهريب عبر الحدود
يُشار إلى أن ليبيا دولة ذات حدود واسعة وضعيفة الرقابة، ما يجعل تدفقات النقد ممكنة من المطارات الليبية وكذلك من دول الجوار، إلى جانب تنامي أنشطة اقتصادية غير رسمية، من بينها التجارة العابرة للحدود، مستفيدة من انخفاض سعر الدينار الليبي وتراجع الضرائب على الاستيراد، فضلًا عن وجود أنشطة غير مشروعة لا يمكن تجاهل أثرها.
ويؤكد مختصون أن وجود الدولار من طبعات حديثة في السوق السوداء لا يعني بالضرورة توريدًا رسميًا، بل يعكس طبيعة تداول العملة في الأسواق العالمية خارج الأطر المصرفية التقليدية.
عندما يُستخدم الغذاء كورقة ضغط
في هذا السياق، يرى مراقبون أن إخفاء بعض السلع أو تقليل ضخّها في السوق ليس مجرد نتيجة للتسعير، بل يُستخدم أداة ضغط من قبل بعض التجار في مواجهة أي إجراءات تحد من أرباحهم أو من تحكمهم في الاعتمادات، ما يجعل المستهلك الليبي في مواجهة مباشرة مع صراع اقتصادي لا يد له فيه.
ويرى الخبير الاقتصادي الليبي عبد الرحيم الشيباني، أن اختفاء زيت الطهي جاء عقب فرض وزارة الاقتصاد تسعيرة جبرية لبيعه للمستهلك، وكذلك بعد المداهمات التي نفذتها قوة أمنية على مصانع ومخازن كبار التجار، وغلِق بعضها لعدم الالتزام بالتسعيرة.
وأضاف أن هذه السلعة تحولت إلى مشكلة قد تتطور إلى تعطيل النشاط التجاري بالكامل، حيث يسعى كبار التجار إلى إخفاء مخزونهم تجنبًا للخسارة أو للمشاكل مع الجهات الضبطية.
وأوضح الشيباني أن عودة زيت الطهي إلى الأسواق باتت مرهونة بوقف ضغط الحملة الأمنية أو بانخفاض سعر العملة الصعبة في السوق الموازية، باعتبار أن التجار يسعرون بضائعهم وفق سعر السوق الموازي، وليس بناءً على تكلفة الاستيراد الفعلية.
من جانبه، قال محمد إبراهيم (متقاعد) إن الحديث عن سوق سوداء في ليبيا، الدولة التي تسبح فوق بحيرات من النفط والغاز وتمتلك مخزونًا هائلًا من المياه العذبة، وعن اختفاء أي سلعة استهلاكية من الأسواق، يعد أمرًا كارثيًا وجريمة في حق الليبيات والليبيين، محملًا الحكومات المتعاقبة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع.
هل الحل في عودة الدولة للاستيراد؟
أمام هذا الواقع، تتعالى أصوات في الشارع الليبي مطالبة بتدخل الدولة المباشر والسيطرة على الاستيراد، غير أن خبراء يحذرون من أن تحوّل الدولة إلى تاجر، دون إصلاح منظومة الاعتمادات والرقابة، قد يعيد إنتاج الأزمات نفسها بأدوات مختلفة.
وبحسب هذه القراءة، فإن أزمة السلع في ليبيا نقدية قبل أن تكون تموينية، وأن أي حل يتجاوز إصلاح منظومة الاعتمادات ومسار الدولار سيبقى جزئيًا ومؤقتًا. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح الدولة في تفكيك الحلقة التي تربط الاعتماد بالغذاء والدولار والسوق السوداء؟ أم يستمر المواطن في دفع كلفة اختلالات لا يملك التأثير فيها؟. (الأنباء الليبية – طرابلس) ر ت
متابعة | ساسية اعميد – أميرة التومي
تصوير | محمد الزرقاني