بنغازي 28 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – لم تعد الهجرة مجرد خيار شخصي، بل تحولت إلى ظاهرة تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية للشباب الليبي.
آلاف الشباب يرفعون أنظارهم نحو البحر بحثا عن حياة أفضل، بينما يختار آخرون البقاء، إما قناعة بالواقع أو خوفا من مصير مجهول، حيث صار البحر رمزا للخطر، وزوارق الموت عنوانا لأحلام ضائعة.
- البحر يبتلع الأحلام
تشير البيانات إلى نحو 900 ألف مهاجر غير شرعي في ليبيا من أكثر من 45 جنسية، جرى اعتراض 22 ألفا منهم في البحر المتوسط خلال عام واحد، مع تسجيل مئات حالات الغرق والاختفاء، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة. لكن هذه الأرقام لا تعكس المعاناة الحقيقية، فهي مجرد تفاصيل كمية لأحداث مأساوية يعيشها الشباب أو يسمعون عنها، أو يكادون يكونون جزءا منها.
محمد، شاب في السابعة والعشرين، يروي تجربته قائلا: “طلعنا الفجر… وما كناش مسافرين، كنا هاربين. قالوا الرحلة ست ساعات، بعد ساعتين القارب كان فيه أكثر من 100 شخص، والناس بدت تبكي… فهمت أننا مش ماشيين لأوروبا، إحنا هاربين من كل شيء”.
لم تكتمل الرحلة وجرى اعتراض القارب وإعادته، ويضيف محمد اليوم: “رجعت بلا فلوس، بلا حلم، لكن حي… ومن يومها قلت: نموت هنا، ولا نموت اسم في البحر”، تجربة محمد تعكس أن البقاء لم يكن خيارا مريحا، بل إعادة تعريف للنجاة، والتشبث بالحياة مهما كانت الظروف.
- الأمهات… انتظار بلا نهاية
ليس الشباب وحدهم من يعرفون ألم البحر، فهناك الأمهات ينتظرن أخبار أبنائهن الذين غادروا أملا بحياة أفضل، السيدة فاطمة، في الثانية والخمسين من عمرها، فقدت ابنها الأكبر قبل عامين، تقول: “آخر مرة كلمني قال لي: ادعيلي يا أمي… قال البحر هادي، بعدها سكت الخط”، ومنذ ذلك اليوم، تعيش بين أمل ضعيف وخوف دائم، مضيفة: “مش موجع إنك تفقد ولدك… الموجع إنك ما تعرفش وينه”، مشاهد مثل هذه تجعل الشباب يعيدون التفكير في الهجرة، خاصة عند رؤية الألم الذي تتركه خلفها.
- الخوف من المجهول… سبب البقاء
أيمن، شاب عمره 24 عاما، يفكر في الهجرة يوميا لكنه لم يركب البحر بعد، يقول: “نخاف نموت وما نندفن، نخاف أمي ما تعرفش وين أنا… الهجرة مش حلم… مرات تكون لحظة يأس”، هنا يظهر أن البقاء ليس مسألة شجاعة أو ضعف، بل محاولة لتجنّب نهاية مجهولة وخطر محتمل.
- الناجون يغيرون الصورة
سالم، في الحادية والثلاثين، نجا من الغرق بعد انقلاب زورق قبالة الساحل، يروي: “الموجة قلبت الزورق في ثواني، تشبثت بلوح خشب، وسمعت صراخ… بعدين سكون”، أنقذ بعد ساعات، لكنه لم يعد يفكر في البحر كطريق للهجرة: “البحر ما يرحمش… من يومها ما عادش نفكر فيه كطريق”، هذه القصص القليلة لكنها قوية تعيد تشكيل نظرة الشباب للهجرة غير الشرعية.
- العائلة… خط العودة إلى البر
الارتباط بالأسرة يلعب دورا حاسما في قرار البقاء، كثير من الشباب يربطون مصيرهم بمسؤولياتهم تجاه الوالدين والإخوة، أحد الشباب العشريني يوضح: “نقدر نغامر بروحي، لكن ما نقدرش نغامر بقلب أمي”، المسؤولية الأسرية تصبح سببا إضافيا لتأجيل الرحيل، أو ربما لرفضه نهائيا.
- البقاء… خيار مؤقت أم مقاومة صامتة؟
رغم الضغوط الاقتصادية، يختار بعض الشباب العمل في مشاريع صغيرة أو العمل الحر أو المشاركة في المبادرات المجتمعية، معتبرين أن البقاء يمنحهم فرصة للمحاولة مهما كانت محدودة.
ومع ذلك، غالبية الشباب لا يغلقون باب الهجرة نهائيا، ويصفون قرارهم بـ “التأجيل”، انتظارا لمسار أكثر أمانا أو فرصة قانونية.
- النهاية المفتوحة
الهجرة لم تعد مرادفا للأمل، ولا البقاء دليلًا على الهزيمة، بين موج البحر وثقل الواقع، يقف الشباب أمام خيارات قاسية، يحاولون من خلالها حماية حياتهم وعائلاتهم وكرامتهم.
فهل يصبح البقاء مشروع حياة حقيقي، أم مجرد محطة انتظار في طريق الهجرة؟ سؤال يكتبه كل يوم زوارق لا تصل وقلوب تنتظر على الشاطئ.(الأنباء الليبية) س خ.
-إعداد: هدى الشيخي