بنغازي 02 ديسمبر 2025 (الأنباء الليبية) – تتزايد في مجتمعنا شكوى النساء من هضم حقوقهن في الميراث وصعوبة حصولهن على حصصهن الشرعية، رغم وضوح الأحكام المتعلقة بميراث المرأة في القرآن الكريم والشريعة الإسلامية، ورغم أن القوانين المستمدة من الشريعة كفلت حقها بشكل صريح لا لبس فيه. وتستمر العادات والتقاليد المتوارثة في بعض البيئات بفرض قيود تحجب المرأة عن حقها الشرعي، إذ يشيع الاعتقاد بأن الزوج أو الأبناء غرباء عن العائلة، وأن وجودهم في أملاك الأسرة من أرض أو عقار أو أموال أمر غير مرغوب فيه، مما يدفع بعض العائلات إلى قصر الميراث على الرجال فقط، ويعد هذا الفعل ظلما بينا يخالف نصوص الشرع، وروح العدالة التي جاء بها الإسلام.
-إنصاف ميراث المرأة
نظرا لأهمية الموضوع وما يترتب عليه من آثار اجتماعية ومشاكل متعددة، أجرت صحيفة الأنباء الليبية حوارا مع خبير الفرائض والمواريث أحمد الشيخي، للحديث حول ميراث المرأة في الإسلام والإشكالات التي قد تواجهها أثناء مطالبتها بحقوقها.
وأوضح الشيخي أن أحكام الميراث وردت مفصلة في ثلاث آيات من سورة النساء، وهي الآية الحادية عشرة والآية الثانية عشرة والآية السادسة والسبعون بعد المئة، مشيرا إلى أن هذه السورة جمعت أصول الميراث لحكمة بالغة تؤكد دقة التشريع وأهميته في تنظيم العلاقات الأسرية.
وبيّن أن المرأة الوارثة تشمل الأم والزوجة والبنت والأخت الشقيقة والأخت لأب والأخت لأم وبنت الابن والجدة، ولكل واحدة نصيب محدد تبعا لموقعها من الموروث وعدد الشركاء في التركة والظروف الخاصة بكل حالة.
وأكد أن التشريع الإسلامي منح المرأة حقوقها دون انتقاص، بل جعل لها في بعض الحالات نصيبا مساويا للرجل أو أكبر منه، الأمر الذي يدحض الاعتقاد الشائع لدى البعض بأن الإسلام قد انتقص من حقوق المرأة أو قلل من مكانتها.
وشدد الشيخي على أن جوهر المشكلة لا يكمن في النصوص الشرعية، بل في الممارسات الاجتماعية التي تقدم العرف على حكم الله، داعيا إلى نشر الوعي وتصحيح المفاهيم وتمكين المرأة من نيل حقها دون خوف أو ضغوط، باعتبار أن الميراث حق ثابت لا يجوز التعدي عليه بأي شكل.
-أحكام الميراث الشرعية
استطرد الشيخي قائلا: إن ميراث الزوجة جاء محددا بنص واضح في قوله تعالى (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع)، وهو حكم يقابله نصيب الزوجة من ميراث زوجها بحسب وجود الأولاد أو عدمهم، ويكون نصيبها على النحو الآتي: الربع إذا توفي الزوج ولم يترك أولادا، حيث ترث الزوجة ربع التركة كاملة دون منازعة، والثمن إذا توفي الزوج وترك أولادا سواء كانوا من الزوجة نفسها أو من زوجة أخرى، ويثبت لها هذا النصيب بمجرد تحقق وجود الفرع الوارث، وفي حال تعدد الزوجات عند وفاة الزوج فإن الزوجتين أو حتى أربع زوجات يشتركن جميعا في الثمن ويقسم بينهن بالتساوي دون تمييز.
كما أكد الشيخي أن مؤخر الصداق يعد دينا ثابتا على الزوج المتوفى ويستوفى من ماله قبل البدء في تقسيم التركة على الورثة.
وتطرق خبير الفرائض إلى ميراث الأم مبينا أن لها نصيبا محددا في كتاب الله، إذ قال تعالى (ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك)، وهو نصيب تستحقه الأم في حال وجود أولاد للمتوفى أو وجود أكثر من أخوين. وترث الأم الثلث إذا لم يكن للمتوفى أولاد ولا إخوة، ويعد هذا النصيب من أبرز الأدلة على تكريم الشريعة للأم ومنحها مكانة متقدمة في نظام الميراث.
وأكد الشيخي كذلك أن البنت ترث أباها بنص صريح في قوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)، وهي قاعدة شرعية تقرر مبدأ عدالة التوزيع وفق المسؤوليات والتكاليف.
وللبنت نصيب ثابت مما ترك أبوها، ويكون لأخيها الذكر ضعف نصيبها وفق هذا الحكم الشرعي.
وفي حال لم يكن للمتوفى أولاد ذكور فإن ميراث البنت الواحدة يكون نصف التركة كاملة، وهو سهم كبير يدل على قوة حضور المرأة في نظام الميراث.
أما إذا كان للمتوفى بنتان فأكثر فلهن الثلثان من التركة دون نقصان، وهو نصيب مقرر بالكتاب لا يدخل فيه اجتهاد.
وينطبق الحكم نفسه على بنت الابن إذا لم توجد بنت صلبية، فتأخذ حكمها في الميراث وتستحق نصيبها كاملا ما لم يحجبها وجود الفرع الوارث الأقرب.
وتبرز هذه الأحكام مجتمعة وضوح التشريع الإسلامي في حفظ حق المرأة وتمكينها من الميراث بنصوص ثابتة لا لبس فيها تنصفها وتضع حدا للممارسات المخالفة للعادات التي تحجب حقوقها.
-ميراث الجدة والأخوات
أوضح الشيخي حق الجدة في الميراث عند عدم وجود الأم، مبينا أنها تكون وارثة سواء كانت أما للأم أو أما للأب، إذ يثبت لها نصيبها في التركة ما دامت الأم غير موجودة.
أما في حال وجود الأم فإن الجدة تحجب باتفاق أهل العلم، ويعد ميراث الجدة من الأحكام التي ثبتت بالسنة الشريفة، مما يؤكد تكامل المصادر التشريعية في بيان أحكام المواريث.
وانتقل الشيخي للحديث عن ميراث الأخوات، موضحا أنهن يرثن في حال عدم وجود الفرع الوارث من الأبناء أو وجود الأب، وذلك وفقا لما ورد مفصلا في الآية مئة وست وسبعين من سورة النساء.
فالأخت الشقيقة لها النصف إذا كانت واحدة، ويكون نصيب الاثنتين الثلثين سويا، وفي حال تعدد الأخوات الشقيقات دون وجود معصب من الذكور فإن لهن الثلثين كذلك.
أما الأخت من الأب فترث في حالة عدم وجود الأخت الشقيقة، وتأخذ النصيب المقرر لها بحسب عددها ووجود شركاء آخرين في الميراث.
كما بين الشيخي أن الأخت لأم تنفرد بالسدس إذا كانت واحدة، أما إذا كن أكثر من واحدة فلهن الثلث يقسمنه بالتساوي، وذلك عند عدم وجود فرع وارث أو أب.
وأشار الشيخي إلى أن المرأة في الجاهلية كانت محرومة من الميراث بشكل كامل، حيث كان الميراث حكرا على الرجال بناء على مفاهيم خاطئة ونظرة دونية للمرأة.
ومع مجيء الإسلام تغير هذا الواقع تغييرا جذريا، إذ أعاد للمرأة حقها كاملا بنصوص قطعية من القرآن، فجعلها لأول مرة وارثة لا موروثة، في نظام دقيق وعادل يرتب الأنصبة على أساس درجة القرابة والحاجة والمسؤولية المالية، بما يحقق التوازن ويحفظ الحقوق لجميع أفراد الأسرة. (الأنباء الليبية) س خ.
-حوار: هدى العبدلي
