بنغازي 16 يوليو 2025 (الأنباء الليبية) ـ وسط أجواء علمية باتت نادرة في محيط الأطفال، استطاعت الطفلتان الليبيتان ميرال خالد وأرين سفيان أن تحققا إنجازات مهمة في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات، ليكوّنا معًا فريق “سانريو”، الذي أصبح نموذجًا ملهمًا للأطفال والعائلات على حد سواء.
ـ بداية الرحلة
بدأت رحلة ميرال منذ أن كانت في الخامسة من عمرها، حين لاحظت والدتها، المهندسة هالة يوسف — قائدة الفريق ومدرّبتهما — شغف ابنتها المبكر بهذا المجال. تقول هالة: «مع غياب مراكز تدريب مناسبة للأطفال في تلك السن، كنت أبحث لها عن فرصة تؤسّس فيها شغفها. وعندما بلغت السابعة، التحقت بأول دورة تدريبية عبر الإنترنت مع منظمة STEM Libya، وكانت تلك البداية الفعلية لخطواتها العملية نحو الابتكار.»
ـ دعم للمشاركة
كانت أولى المشاركات الدولية لميرال في بطولة أُقيمت عن بُعد في الهند، حصلت خلالها على شهادة مشاركة وهي في السابعة من عمرها. ثم شاركت في مسابقة أخرى عبر الإنترنت نظمتها جهة مصرية، تأهلت فيها لتحصد المركز الثالث على مستوى الوطن العربي، وهو ما كان سيخولها السفر إلى أمريكا في فبراير 2024 كجائزة. إلا أن ظروفًا تنظيمية حالت دون إتمام المشاركة، بسبب فقدان المصداقية وتغير الوعود. ومع ذلك، تمكنت ميرال من المشاركة في نفس البطولة في أمريكا بشكل مستقل، بدعم من المؤسسة الوطنية للنفط التي تكفّلت برسوم الاشتراك بالكامل، بقرار مباشر من رئيس المؤسسة فرحات بن قدارة.
ومع مرور الوقت، خاضت ميرال وأرين تجارب أكثر نضجًا، من بينها المشاركة في مسابقة للذكاء الاصطناعي على مستوى ليبيا أُقيمت في بنغازي، ثم جاء التتويج الأهم حين أسستا فريق سانريو وشاركتا به في بطولة اليوم الوطني لتقنية المعلومات، التي نظمتها منظمة Lybotics Libya، وحققتا فيها الترتيب الأول.
ولم يتوقف طموحهما عند المسابقات المحلية؛ إذ شاركتا أيضًا عبر الإنترنت في المسابقة العالمية للذكاء الاصطناعي (WAICY)، التي تشترط تقديم ابتكار لحل مشكلة واقعية باستخدام الروبوتات.
ـ الجائزة الذهبية
وفي هذه المسابقة، حصل الفريق على الجائزة الذهبية (Gold Award) كأفضل مشروع على مستوى المدارس الابتدائية عالميًا، من بين أكثر من 29 ألف طالب من 89 دولة، قدّموا نحو 30 ألف مشروع.
وقالت هالة إن مشروع ميرال الأول كان بسيطًا لكنه مثّل انطلاقة قوية كانت فكرة سلال قمامة ذكية تُدار عبر كود برمجي فقط، من دون استخدام أي معدات خارجية. ومنذ ذلك الحين، ظللت أشرف على كل مشروع خطوة بخطوة. هذا الإشراف المباشر في البيت، إلى جانب التدريب الرسمي، هو ما أحدث الفرق فعليًا.
ـ دورات تدريبية
ورغم تنوع الدورات التدريبية، أوضحت هالة أن الاعتماد على الدورات وحدها لم يكن كافيًا. فقد التحقت ميرال أولًا بدورة أونلاين استمرت أسبوعين، تضمنت البرمجة باستخدام لغة Pictoblox مع منظمة STEM Libya، ثم تابعت دورة أخرى مع مركز البذرة، وشاركت في منتدى صيفي من تنظيم المركز نفسه.
لاحقًا، التحقت بمخيم ناسا الذي أُقيم في الجامعة الدولية بتنظيم من روبوفست ليبيا، ثم حضرت دورة متخصصة في الأردوينو مع فاب لاب.
أما فيما يتعلق باستخدام الليغو، فأكدت هالة أن النقلة النوعية في مستوى ميرال جاءت بعد التدريب مع الفريق الأمريكي Lext Robo Academy، حيث ساعدها العمل مع فريق دولي على صقل مهاراتها التقنية بشكل أكبر.
ورغم التحاق ميرال في بعض الفترات بمراكز تدريب، وتمثيلها لها في بعض المسابقات — مثل بطولة الهند والبطولة التي نظمتها الجهة المصرية — إلا أن والدتها بقيت المشرفة الكاملة على إعداد كل مشاريعها ومتابعتها.
وأوضحت، كنت أضيف لها تدريبات إضافية في البيت، بحيث لا تعتمد فقط على ما يُدرَّس في المركز. هذا هو السبب في تفوقها الحقيقي.
أما أرين، فقد التحقت بدورة واحدة مع مركز البذرة، ثم شاركت مع ميرال في مخيم ناسا نفسه، إضافة إلى دورة الأردوينو مع فاب لاب. وبرغم قلة الدورات، إلا أن أرين استطاعت أن تصنع مع ميرال ثنائيًا متناغمًا، بفضل تقسيم الأدوار والتدريب العملي، ما خلق بينهما كيمياء خاصة تظهر في تقديم المشاريع وشرحها للجمهور دون الحاجة إلى عروض جاهزة أو قراءة نصوص.
ـ المعدات والملحقات
التحدي الأكبر أمام الفريق كان — ولا يزال — في المعدات اللازمة، إذ يبلغ ثمن بعضها نحو 650 دولارًا للوحدة، إضافة إلى الملحقات. إلا أن الإصرار، والدعم العائلي، وبعض الجهات الداعمة مثل المؤسسة الوطنية للنفط، ساعد في تجاوز هذه العقبة.
اليوم، تواصل ميرال وأرين تدريباتهما كصديقتين، تحت إشراف والدة ميرال ومشرفة وقائدة الفريق، دون أن يتحول فريق سانريو إلى مركز تدريب رسمي.
ـ دعم العائلة
وقالت هالة، لا نفكر حاليًا في أن يتحول الفريق إلى مركز، فنحن نفضّل الاستمرار في التدريب الحر داخل البيت، لأن الجو العائلي والدعم المباشر يمنح الطفلتين مرونة أكبر، مع التركيز على المشاركات الفعلية وتطوير المهارات باستمرار.
وختمت هالة رسالتها إلى العائلات بقولها، الطفل قد لا يميل من تلقاء نفسه إلى العلوم الهندسية أو الروبوتات، بل هذا دور العائلة. والأهم من كل البطولات هو أن يستمتع الطفل بما يفعل. إن لم يحب هذا المجال، لا تجبروه. ابحثوا له عن شغف آخر يناسبه. أما من أحب، فادعموه حتى النهاية.
كما توجهت هالة يوسف بالشكر إلى صندوق إعمار بنغازي لدعمه المستمر، مؤكدةً أن النجاحات الصغيرة اليوم قد تتحول يومًا ما إلى منجزات وطنية كبيرة، إذا ما حظيت بمزيد من الثقة والاحتضان. (الأنباء الليبية ـ بنغازي) ه ع
حوار: بشرى العقيلي
تصوير: علي الصنعاني
