بنغازي 30 يونيو 2025 (الأنباء الليبية) – على أطراف أرضه المتشققة في وادي السمالوس، جنوب الجبل الأخضر، يقف الحاج فرج، أحد مزارعي المنطقة، متحسرًا على ما آلت إليه أوضاع الزراعة بفعل موجات الجفاف المتلاحقة.
يشير بيده نحو مجرى الوادي قائلاً: “منذ خمسة أشهر فقط، في يناير، كان السيل يجري هنا لدرجة أننا لا نستطيع العبور إلى الجهة الأخرى… اليوم نبحث عن قطرة نسقي بها الشجر”.
يمرر الحاج فرج يده على التربة اليابسة، مستذكرًا كميات الأمطار التي تساقطت فجأة، ثم تبخرت دون أن تُخزن أو تُستثمر: “الماء أغرق الزرع وذهب هباءً، ولو وُجد برنامج حصاد مياه، لكانت كل نقطة مطر عونًا لنا اليوم بدل أن نتحسر عليها”.
قصة الحاج فرج ليست استثناءً، بل تمثل معاناة مشتركة بين مزارعي الجبل الأخضر الذين ينتظرون السيول شتاءً ويقضون الصيف في البحث عن مصادر للماء، في منطقة تُعد واحدة من أغنى مناطق ليبيا بالأمطار السطحية.
أمطار غزيرة… دون فائدة
الأمطار التي تهطل على الجبل الأخضر، بحسب خبير علوم الأرض والمياه ومندوب وزارة الزراعة الليبية في مجموعة دول شمال إفريقيا لمتابعة وتقييم المياه، ا.م محمد بوغزيل، هي أمطار تضاريسية غزيرة ولكنها قصيرة الأمد، وغالبًا ما تأتي على هيئة عواصف.
يقول بوغزيل لصحيفة الأنباء الليبية، إن هذا النمط المناخي يتطلب دراسات متخصصة لاختيار أنسب الوسائل لتجميع المياه، خاصة أن المنطقة تُعد من أغنى المناطق الليبية من حيث كمية الأمطار، لكنها الأقل استفادة منها.
ويضيف أن وادي السمالوس، الذي ينحدر عبر أراضٍ شبه صحراوية جنوب الجبل، يُعتبر من أهم المستجمعات المائية في المنطقة، وتغطيه ستة أنواع من التربة الملائمة لزراعة الحبوب والأعلاف، ما يجعله بيئة مثالية لمشاريع الزراعة المستدامة، لو توفرت تقنيات مناسبة لحصاد المياه.
ويتابع: “تقنيات حصاد المياه لا تتطلب استثمارات ضخمة بقدر ما تحتاج إلى رؤية علمية ودعم مؤسسي، وتعاون من المجتمعات المحلية”، محذرًا من أن معظم أنظمة الحصاد في المنطقة تعود لسنوات ما قبل 2006، ولم تُحدّث رغم تغير طبيعة مواسم الأمطار.
مشاريع غير مكتملة ومخاوف من فقدان المورد
يواجه مشروع إنشاء 15 خزانًا سطحيًا بسعة إجمالية تقارب مليوني متر مكعب خطر التوقف، وفق ما أفاد به المهندس أحمد إبراهيم فايد المجبري، مدير المشروع.
يوضح المجبري لصحيفة الأنباء الليبية، أن هذا المشروع صُمم ليكون ركيزة في الري التكميلي وسقي المواشي، ولتقليل مخاطر الفيضانات، لكنه لم يكتمل بسبب غياب التمويل اللازم.
وأشار إلى أن الوضع المائي في ليبيا بات مقلقًا، حيث تراجعت مستويات المياه الجوفية بشكل كبير. “في عام 1990، كانت المياه الجوفية على عمق 60 مترًا، أما اليوم فتجاوزت 160 مترًا في بعض المناطق بسبب الحفر غير المرخص”
كما لفت إلى أن ليبيا تمتلك إرثًا في تقنيات الحصاد المائي يعود للعهد الروماني، داعيًا إلى الاستفادة منه وتطويره وفق المعايير الحديثة، ومشيرًا إلى تجارب ناجحة في بعض أودية بنغازي مثل وادي سيدي خليفة ومشروع رقم 2.
ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل
يشدد كل من بوغزيل والمجبري على أن الاستفادة من مياه الأمطار لم تعد خيارًا تنمويًا إضافيًا، بل ضرورة وطنية لحماية الأمن الغذائي والبيئي.
ودعوا إلى الإسراع في إنشاء هيئة وطنية متخصصة في إدارة مشاريع حصاد المياه، وتفعيل التشريعات المنظمة للموارد المائية، إلى جانب تنفيذ برامج توعية تستهدف المزارعين والمجتمعات المحلية حول أهمية التخزين السطحي وأثره في تقليل الاعتماد على المياه الجوفية.
إن غياب برامج حصاد المياه في مناطق مثل الجبل الأخضر لا يعني فقط فقدان كميات ثمينة من الأمطار، بل إهدار فرصة حقيقية لتحقيق الأمن المائي والزراعي. وبين مواسم مطرية قصيرة وأراضٍ تئن من الجفاف، تبقى الحاجة ملحة لرؤية وطنية تُحوّل كل قطرة إلى مصدر حياة وتنمية مستدامة. (الأنباء الليبية) ك و
متابعة : أحلام الجبالي