بنغازي 24 يونيو (الأنباء الليبية) – في باحة استقبال وكالة الانباء الليبية جلسوا الى جانب بعضهم البعض كأنما علاقة وطيدة تربطهم قائمة على معرفة مسبقة تنعكس في تلاحمهم وسكونهم معا مشكلين فريقا واحدا يواجه تحديا مشتركا.
جمعهم لقاء خاص مع راديو وكالة الأنباء الليبية (وال) وكانت عيونهم تقول كل شيء وتعكس همومهم وخوفهم ومعاناة أسرهم وقلق الأطباء القائمين على متابعة وضعهم الصحي الهش.
كان بين مرضى الهيموفيليا الذين تحدثوا إلى (وال) الشاب علي الراجحي (30 عاما طالب جامعي وإمام جامع يعاني من الهيموفيليا (أ) منذ طفولته، الى جانبه الطبيب جمال الشريف أخصائي اأمراض الدم، وغير بعيد عنهما والد الطفل عابد كريم الأصيبعي الذي يقاتل مع ابنه ليمنحه طفولة طبيعية رغم المرض ومخاطره.
على أثير راديو (وال) انسكبت تجاربهم المؤلمة في رحلتهم مع المرض من خلال قصص لمواقف موجعة وصفت كيف جعلهم الداء يواجهون خطر النزيف في كل لحظة وكيف يختفي الدواء لأشهر طويلة وكيف تكون الحياة معلقة على أمل وصول حقنة تنقذهم.
الهيموفيليا (الناعور) هي اضطراب وراثي في الدم يجعل الدم لا يتجلط بشكل طبيعي، ما يسبب نزيفًا مطولًا بعد الإصابة أو الجراحة، وغالبًا ما تكون الهيموفيليا موروثة، لكن حوالي ثلث الحالات تحدث بسبب طفرات جينية جديدة.
يُوجد نوعان رئيسيان، الهيموفيليا (أ) (نقص العامل الثامن) والهيموفيليا (ب) (نقص العامل التاسع). وفي ليبيا تتحول أبسط الإصابات إلى معارك مع الألم والخطر حيث يعيش المصابون بها تحديات مضاعفة تبدأ من تأمين العلاج ولا تنتهي بالبحث عمن يتفهم معاناتهم.
كانت البداية مع كريم الأصيبعي، والد عابد، الذي اختار أن يجعل ابنه يعيش طفولته حتى وإن خالف تعليمات الأطباء، مؤمنا بأنه “لا يمكن أن نحرم طفلا من الحياة” غير أنه يخفي وراء قناعته قلقا عميقا على فلذة كبده.
وتابع في حديثه لـ (راديو وال) “أعلم أن الطبيب يقول على عابد ألا يلعب، لا يركض، لا يتسلق، لكن من يجرؤ على منع طفل من الحياة … خالفنا تعليماته نعم لكننا نراقبه بعين لا تنام وندرك ان في نهاية يومه الممتع أننا سنهرع مساء إلى المستشفى “.
وأوضح أن الوريد في ذراع ابنه يختفي من كثرة الحقن، ويضطر الأطباء للبحث طويلا كل مرة مشيرا إلى أن “لحظات الحقن قاسية على الجسد الصغير لطفله وعلى قلب والدته أكثر”.
“مرات يدوروا نص ساعة مش يلقوا الوريد وتخيل وجع طفل يتكرر بنفس الطريقة كل أسبوع وأحيانا أقل”، قالها الأب باللهجة الليبية والألم يعتصر قلبه مؤكدا أنه إذا وفر المسؤولون في قطاع الصحة الدواء الحديث لهؤلاء المرضى فستنتهي معاناة البحث عن الوريد.
وأكد أخصائي أمراض الدم، الطبيب جمال الشريف، وجود علاج حديث للهيموفيليا لا يحتاج إلى الوريد بل يحقن تحت الجلد مباشرة بجرعات محددة ويساعد على تقليل النزيف بشكل كبير ما يمكن المرضى من ممارسة حياتهم اليومية بشكل شبه طبيعي غير أنه لاحظ بمرارة أن هذا الدواء رغم توفره عالميا غير متاح في ليبيا حتى الآن رغم إنفاق الدولة الملايين من الدينارات في قطاعات مختلفة ومع ذلك لم تدرجه ضمن منظومة التأمين ولا توفره حتى للحالات الخطيرة ومنها حدوث النزيف للمريض بدون سقوط أو بذل أي مجهود ما يجعل التعامل مع الهيموفيليا مسألة دقيقة وخطيرة..
وقال الشريف إنه وسط شح الأدوية وصعوبة الوصول الى العلاج برز بصيص أمل عندما قامت الشركة المنتجة لعقار الهيموفيليا بتوفير ست جرعات علاجية تجريبية وزعت على ستة مرضى من مختلف مناطق ليبيا ممن كانت حالاتهم من بين الأصعب مبينا أن هذه الجرعات كانت كافية لتغطية سنة كاملة من العلاج لكل مريض وأحدثت تحولا كبيرا في حياتهم بعد أن أكد المرضى أنهم عاشوا لأول مرة حياة طبيعية خالية من النزيف والمهددات اليومية.
غير أن الشريف عاد ليسجل أن هذا الأمل ما لبث أن تلاشى مع انتهاء الجرعات حيث انتهى الأمان ولم تتحرك الدولة لتأمين العلاج بشكل دائم ولجميع المرضى الذي يبلغ عددهم حوالي 2000 مريض فقط.
علي الراجحي (شاب في العقد الثلاثين من عمره، طالب بكلية الهندسة الكهربائية في السنة الرابعة، إمام جامع) كان أحد المحظوظين الستة الذين تلقوا الجرعة التجريبية، أبلغ (وال) أن تجربته مع الدواء كانت نقطة تحول حقيقية في حياته مؤكدا أنه عاش خلالها حياة طبيعية خالية من النزيف والتعب، لأول مرة منذ ولادته.
وأضاف “مارست حياتي بشكل طبيعي، شعرت كأنني شخص سليم وحتى عائلتي وأصدقائي لاحظوا الفرق كانوا سعداء من أجلي وظننت أن هذه هي نهاية المعاناة لكن الأمل سرعان ما تراجع اذ انتهت الجرعة ولم تستمر الدولة في توفير العلاج ليعود الخوف من النزيف يطرق الأبواب مجددا”.
وتابع بحزن عميق “غبت عن الدراسة فترات طويلة وأحيانا كنت أضطر لاستكمال الامتحانات مع نزيف داخلي لأن الدواء غير متوفر وتخيلوا حالة مريض يحتاج دواء لإنقاذ حياته ويغيب عاما كاملا”.
رغم صعوبة المرض وتبعاته الجسدية إلا أن مرضى الهيموفيليا في ليبيا يواجهون معاناة من نوع آخر مع الجهات الرسمية حيث أوضح المريض علي الراجحي أن وزارة الشؤون الاجتماعية ترفض منحهم بطاقة الإعاقة بحجة أن المرض لا تنطبق عليه الشروط معربا عن أسفه لمثل هذا الموقف من الوزارة خاصة وأن البطاقة فعلت توفر امتيازات ضرورية للمريض.
وفي هذا الصدد أكد أخصائي أمراض الدم، الدكتور جمال الشريف أن واقع مرضى الهيموفيليا لا يمكن تجاهله إذ أن غياب العلاج الوقائي منذ الطفولة يؤدي إلى إعاقات حركية مزمنة في العضلات والمفاصل لدى معظم المرضى، معربا عن استعداده لتشكيل لجنة طبية فنية تؤكد للشؤون الاجتماعية أن هؤلاء المرضى يستحقون الاعتراف بإعاقتهم للوصول إلى المزايا والمساعدات التي يكفلها المجتمع.
وأمام هذه المصاعب والآلام تشكلت شبكة تضامن غير رسمية بين مرضى الهيموفيليا والأطباء وأولياء الأمور من خلال مجموعة تواصل خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي بارقة أمل ليجد المريض من يسعفه بجرعته عند الحاجة وكأنهم أضحوا عائلة واحدة تواجه ذات المصير. قصصهم ليست مجرد معاناة صحية، بل نداء إنساني يحث الجهات المختصة على توفير دواء آمن ومستمر، لكي يعيشوا حياتهم بكرامة وأمل، بعيدًا عن الخوف والنزيف. (الأنباء الليبية) س خ.
-حوار ومتابعة: بشرى العقيلي
