بنغازي 19 يونيو 2025 (الأنباء الليبية) – تحولت حوادث فقدان الأطفال في ليبيا من حالات فردية إلى ظاهرة اجتماعية مقلقة، تتكرر في مختلف المدن، مخلفة صدمات أسرية واستنفارًا أمنيًا ونداءات استغاثة تتصدر منصات التواصل الاجتماعي.
تتنوع هذه الحالات بين طفل تائه، وآخر من ذوي الاحتياجات الخاصة، وثالث ضحية للإهمال، مما يكشف عن فجوة واضحة في منظومة الحماية الأسرية والمجتمعية، ويستدعي تحركًا عاجلًا وشاملًا للانتقال من مرحلة رد الفعل إلى تبني استراتيجية وقائية فعالة.
قصص فقدان الأطفال: بين المأساة والأمل
شهدت ليبيا في الآونة الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في حوادث فقدان الأطفال، حيث سجلت البلاد مآسٍ مؤلمة، من بينها قصة الطفل عبدالله المجبري، المصاب بالتوحد، الذي اختفى بالقرب من منزله في بنغازي، وعُثر عليه جثة طافية في بحيرة بعد خمسة أيام من البحث.
وفي حادثة أخرى، نجا طفل بأعجوبة بعدما أُغلق على نفسه داخل صندوق سيارة في أحد الأسواق الشعبية، في مشهد أثار هلع عائلته والمارة، خاصة مع اشتداد حرارة الصيف.
أما في حالات أخرى، فقد تبرز صعوبات إضافية تتعلق بالعوائق اللغوية أو الحالة النفسية، كما حصل مع طفل أجنبي وُجد تائهًا في أحد مراكز الشرطة، عاجزًا عن التعبير عن هويته أو التواصل مع المحيطين به.
كذلك، سُجلت حوادث مؤلمة خلال الفعاليات والمناسبات الاجتماعية، حيث يفقد الأطفال في الزحام، ويُعثر عليهم لاحقًا في أماكن بعيدة، كما يتكرر فقدان الأطفال في المتنزهات والمجمعات التجارية، مما يعكس تكرار الإهمال في الأماكن العامة.
رغم ذلك، لم تخلُ بعض الحالات من نهايات سعيدة، كما في قصة الطفل أمحمد خليل الذي ضاع في منطقة الهواري، حيث ساعدت حملات التوعية عبر مواقع التواصل الاجتماعي في التعرف عليه وتسليمه لعائلته.
خلل متجذر يكشفه تكرار الفقد
إن تكرار حوادث فقدان الأطفال في مناطق متعددة من ليبيا، وبظروف متنوعة، لا يعد مجرد سلسلة من الحوادث المؤسفة، بل هو مؤشر على خلل متجذر في بنية المجتمع وآليات استجابته.
وأوضح الباحث الاجتماعي عبد الباسط المهدي، في حديثه لصحيفة الأنباء الليبية، أن المشكلة تتجاوز غياب الحماية المباشرة لتشمل ضعف الوعي المجتمعي، وتفكك آليات الرقابة الأسرية، وبطء الاستجابة في اللحظات الحرجة.
وأشار المهدي إلى أن من أبرز أسباب هذه الحوادث غفلة العائلات في الأماكن العامة والمزدحمة، وغياب أنظمة إنذار فعالة، ونقص وسائل التعريف بهوية الأطفال، إلى جانب قصور التوعية في المدارس والفعاليات، وغياب التنسيق بين الجهات المعنية.
مسؤولية مشتركة لمواجهة الظاهرة
تؤكد هذه الوقائع أن صرخات الأطفال المفقودين ليست مجرد قصص عابرة، بل هي نداءات تمس ضمير المجتمع وتتطلب استجابة جماعية تبدأ من الأسرة وتمتد لتشمل جميع المؤسسات الرسمية والمجتمعية.
ويرى الباحث عبد الباسط المهدي أن مواجهة هذه الظاهرة تقتضي اعتماد خطة وقائية متكاملة تشمل التوعية الأسرية، وتدريب أولياء الأمور على أساليب الاستجابة السريعة، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية للأطفال المفقودين، بالإضافة إلى توفير حماية خاصة للأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة.
كما شدد المهدي على الدور الحيوي الذي يجب أن يلعبه الإعلام والمجتمع المدني في نشر الوعي وتعزيز ثقافة المسؤولية المجتمعية، لما لهما من أثر فعال في الحد من هذه الظاهرة. (الأنباء الليبية) ك و
متابعة: هدى الشيخي