بنغازي 29 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية)- قد تبدأ أعراض الزهايمر المبكر بتغيرات تبدو بسيطة في الحياة اليومية، كصعوبة تذكّر بعض المعلومات، أو العثور على الكلمات المناسبة، أو تنظيم المهام واتخاذ القرارات، وقد تُفسر هذه العلامات أحياناً بأنها نتيجة للإرهاق أو ضغوط العمل، ما قد يؤخر اكتشاف المرض والتعامل معه.
وعلى الرغم من ارتباط الزهايمر في أذهان كثيرين بالتقدم في العمر، فإن أعراضه قد تظهر قبل سن الخامسة والستين، وفي حالات نادرة خلال الثلاثينيات والأربعينيات، الأمر الذي يجعل التعرف على علاماته وطلب التقييم الطبي عند استمرارها أمراً مهماً.
ويُعد الزهايمر مرضاً عصبياً يتطور تدريجياً، ويؤثر في الذاكرة والتفكير والقدرة على أداء الأنشطة اليومية، نتيجة تغيرات تحدث في الدماغ، من بينها تراكم بروتينات ترتبط بتلف الخلايا العصبية وتأثر وظائفها.
وأوضحت اختصاصية المخ والأعصاب الدكتورة هبة الزواوي، في تصريح لوكالة الأنباء الليبية، أن حالات الزهايمر المبكر تمثل ما بين 5 و10 بالمئة من إجمالي حالات المرض، مؤكدة أن هذه النسبة تشير إلى حصة الحالات التي تبدأ في سن مبكرة من مجموع المصابين بالزهايمر، ولا تعني أن هذه النسبة من الشباب مصابة بالمرض.
عوامل وراثية وصحية
وأشارت الزواوي إلى أن العوامل الوراثية تؤدي دوراً مهماً في بعض حالات الإصابة المبكرة، ولا سيما عند وجود تغيرات نادرة في جينات معينة ترتبط بأشكال عائلية من المرض، وقد تنتقل من أحد الوالدين إلى الأبناء.
وأضافت أن وجود نوع معين من الجينات قد يزيد احتمالات الإصابة، لكنه لا يعني بالضرورة أن الشخص سيصاب بالمرض. كما ترتبط متلازمة داون بارتفاع خطر الإصابة بالزهايمر في سن مبكرة، بسبب وجود نسخة إضافية من أحد الكروموسومات.
وفيما يتعلق بالعوامل الصحية والبيئية، أوضحت أن ارتفاع ضغط الدم والسكري والسمنة في منتصف العمر واضطراب مستويات الدهون في الدم، إلى جانب التدخين وقلة النشاط البدني، من العوامل التي قد تزيد مخاطر الإصابة بالخرف عموماً.
وتشمل العوامل الأخرى إصابات الرأس، وضعف السمع والبصر غير المعالجين، والاكتئاب والعزلة الاجتماعية وقلة الأنشطة الذهنية والتعرض لتلوث الهواء. وأكدت أن وجود هذه العوامل لا يعني بالضرورة الإصابة بالزهايمر المبكر، لكنها تستدعي الاهتمام بالصحة العامة والحد من المخاطر التي يمكن التحكم فيها.
وبيّنت الزواوي أن أعراض الزهايمر المبكر لا تقتصر على ضعف الذاكرة، بل قد تشمل صعوبة العثور على الكلمات، ومشكلات في التخطيط واتخاذ القرارات، وضعف القدرة على تقدير المسافات والاتجاهات، إلى جانب تراجع الأداء في العمل وصعوبة إنجاز المهام اليومية المعتادة.
وأوضحت أن تنوع هذه الأعراض قد يؤدي إلى تأخر التشخيص، خاصة عندما تُنسب التغيرات إلى ضغوط الحياة أو الإرهاق أو المشكلات النفسية، مشددة على أهمية مراجعة الطبيب عند ملاحظة تراجع مستمر وغير معتاد في الذاكرة أو التفكير أو القدرة على أداء المسؤوليات اليومية.
ولا يعني النسيان وحده الإصابة بالزهايمر، إذ يمكن أن تكون له أسباب صحية متعددة، لذلك يساعد التقييم الطبي المتخصص على تحديد السبب واختيار الفحوص المناسبة.
وفيما يتعلق بالعلاج، أوضحت الزواوي أن الأدوية المتاحة تشمل علاجات تساعد على تخفيف بعض الأعراض أو المحافظة على القدرات المعرفية لفترة محدودة، إلى جانب علاجات أحدث تستهدف بروتيناً يتراكم في الدماغ ويرتبط بتطور المرض.
وتختلف الأدوية بحسب مرحلة المرض وحالة المصاب، ويحدد الطبيب المختص مدى ملاءمتها وفق التقييم الطبي والفوائد المتوقعة والآثار الجانبية المحتملة.
وأضافت أن بعض العلاجات الحديثة التي أجيز استخدامها في الولايات المتحدة لفئات محددة من المرضى في المراحل المبكرة قد تبطئ تراجع القدرات المعرفية والوظيفية بدرجة محدودة، لكنها لا تشفي المرض ولا تعيد بصورة كاملة الوظائف التي فقدها المصاب.
وشددت على ضرورة تأكيد التشخيص والتحقق من مدى ملاءمة المريض لهذه العلاجات قبل البدء بها، مع إجراء الفحوص اللازمة للكشف عن التغيرات المرتبطة ببروتين الأميلويد، وتصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي قبل العلاج وخلال المتابعة.
وتتطلب هذه العلاجات مراقبة دقيقة لاحتمال حدوث آثار جانبية قد تظهر في التصوير، من بينها تورم في الدماغ أو نزوف دقيقة، وهي مضاعفات تستلزم متابعة متخصصة وموازنة مستمرة بين فوائد العلاج ومخاطره.
وأكدت الزواوي أن الحد من عوامل الخطر القابلة للتعديل يمثل جانباً مهماً من جهود الوقاية من الخرف، من خلال ضبط ضغط الدم والسكر والكوليسترول، والمحافظة على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني، واتباع نظام غذائي متوازن، والامتناع عن التدخين.
كما تشمل التدابير معالجة مشكلات السمع والبصر والاكتئاب، والمحافظة على التواصل الاجتماعي وممارسة الأنشطة الذهنية، والحد من مخاطر إصابات الرأس. وأشارت إلى عدم وجود توصيات طبية عامة تدعم تناول الأسبرين أو الفيتامينات بهدف الوقاية من الزهايمر لدى الأشخاص الذين لا يحتاجون إليها لأسباب طبية أخرى.
المرض وأعباؤه على الأسرة
ولا تقتصر آثار الزهايمر على المصاب وحده، بل تمتد إلى أفراد أسرته الذين يتحملون جانباً كبيراً من مسؤوليات الرعاية اليومية، ويتعاملون مع تغيرات تدريجية في الذاكرة والسلوك والقدرة على الاستقلال.
وفي هذا السياق، أشار رئيس الجمعية الليبية لمرضى الزهايمر، المهندس محمد المكي، في تصريح لوكالة الأنباء الليبية، إلى أهمية رفع الوعي المجتمعي بطبيعة المرض وسبل التعامل مع المصابين، وتوعية أسرهم بالتغيرات التي قد تطرأ على الذاكرة والسلوك والقدرة على ممارسة الأنشطة اليومية.
وأكد أهمية مساندة أسر المرضى ومقدمي الرعاية، وتوفير المعلومات التي تساعدهم على التعامل مع احتياجات المصابين، إلى جانب تعزيز التعاون بين الجهات الصحية والاجتماعية لتحسين خدمات الرعاية.
وتبرز أهمية التعامل مع الزهايمر في الجمع بين التشخيص الطبي المبكر والرعاية المستمرة والدعم الأسري، إذ يساعد فهم طبيعة المرض والتغيرات المصاحبة له على التعامل مع احتياجات المصاب بصورة أفضل، والحفاظ على قدراته لأطول فترة ممكنة، وتخفيف الأعباء التي تواجه أسرته.
كما تظل زيادة الوعي بالأعراض وطلب الاستشارة الطبية عند ظهور تغيرات مستمرة في الذاكرة أو التفكير من الخطوات المهمة لتحديد أسبابها، وتوفير الرعاية الملائمة لكل حالة. (الأنباء الليبية) ك و
تقرير: رقية ناصر المريمي