بنغازي 27 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية)- قد تبدأ مشاركة تفاصيل الحياة الأسرية بصورة من مناسبة سعيدة أو مقطع من يوميات الأطفال، لكنها قد تتحول إلى محتوى يصعب التحكم في انتشاره، أو يصل إلى أشخاص لم يكن المقصود مشاركته معهم.
ومع اتساع استخدام منصات التواصل الاجتماعي، لم تعد الخصوصية الأسرية مرتبطة بما يختار الفرد نشره فحسب، بل أيضًا بحقوق بقية أفراد الأسرة في حماية صورهم وبياناتهم وتفاصيل حياتهم، خاصة الأطفال.
الخصوصية في مجتمع متصل
وقالت أستاذة علم الاجتماع وعضو هيئة التدريس المتعاونة بكلية الإعلام في جامعة بنغازي، سالمين الفاخري، إن منصات التواصل أسهمت في نقل تفاصيل الحياة اليومية من نطاق الأسرة إلى فضاء أوسع، حيث يمكن إعادة تداول الصور والمعلومات حتى بعد حذفها من الحساب الأصلي.
وأوضحت أن الخصوصية تشمل الصور والبيانات الشخصية والخلافات العائلية والمعلومات الصحية والتعليمية للأطفال، مشيرة إلى أن الرغبة في التفاعل والتقدير الاجتماعي، والتأثر بالمؤثرين، وضعف الوعي الرقمي، من العوامل التي تدفع بعض المستخدمين إلى الإفراط في المشاركة.
وأضافت أن آثار النشر قد تمتد إلى أفراد الأسرة الآخرين، وتؤثر في الثقة والعلاقات بين الأقارب، حتى عندما تُشارك الصور داخل مجموعات عائلية مغلقة.
وفي المجتمع الليبي، حيث تحظى الأسرة الممتدة والروابط بين الأقارب بمكانة مهمة، قد تتجاوز آثار نشر التفاصيل الشخصية صاحب المنشور لتطال بقية أفراد الأسرة، بما ينعكس على العلاقات والثقة المتبادلة.
الأطفال والخلافات العائلية
ويُعد نشر صور الأطفال ومقاطعهم من أبرز جوانب القضية، إذ قد تتحول صور تبدو عادية للوالدين إلى مصدر إحراج أو تنمر في مراحل لاحقة، كما قد تكشف معلومات عن مدارسهم أو أماكن إقامتهم.
وأكدت الفاخري أهمية احترام حق الطفل في الخصوصية، وعدم اعتبار القرابة مبررًا لنشر صوره ومعلوماته دون مراعاة رغبته وحقوقه.
ولا تقتصر المخاطر على الأطفال، بل تشمل نشر الخلافات الزوجية والأسرار العائلية، إذ قد يؤدي تداول الاتهامات والمحادثات الخاصة إلى توسيع دائرة الخلاف والإضرار بالعلاقات والسمعة، فضلًا عن التأثير النفسي المحتمل على الأبناء.
ويرى المواطن أحمد الزرقاني أن المنشورات التي تُكتب في لحظات الغضب قد تترك آثارًا طويلة الأمد، حتى عندما يكون الهدف منها الحصول على التعاطف أو التعبير عن الاستياء.
من جهته، قال المواطن حسن العوزي إن تداول الأسرار خارج نطاق الأسرة قد يزيد المشكلات تعقيدًا، خصوصًا مع صعوبة السيطرة على ما يضيفه الآخرون من تفسيرات وتعليقات.
وشددت الفاخري على ضرورة التمييز بين التشهير أو الانتقام عبر المنصات، وبين طلب الحماية والمساعدة من الجهات المختصة عند التعرض للعنف أو التهديد.
الصحافة والتوعية بالاستخدام المسؤول
وقالت الصحفية فاطمة الورفلي إن خصوصية الأسرة تستحق مزيدًا من الوعي في ظل الانتشار الواسع للمنصات الرقمية وسهولة مشاركة الصور والتفاصيل اليومية، موضحة أن المشكلة لا تكمن في استخدام هذه المنصات، بل في تجاوز حدود المشاركة وما قد يترتب عليه من آثار اجتماعية ونفسية أو استغلال للمعلومات المنشورة.
وأكدت أن حماية الخصوصية مسؤولية مشتركة تبدأ بوعي الفرد وتمتد إلى دور الأسرة والمؤسسات الإعلامية في نشر ثقافة الاستخدام المسؤول.
من جهتها، حذرت معلمة التربية والتعليم أريج السنوسي من أن غياب التوجيه الأسري بشأن استخدام الإنترنت قد يعرّض الأبناء لمحتوى وتعليقات سلبية، ويوسع تدخل الآخرين في شؤون الأسرة. وأشارت إلى أن تقليد أنماط المعيشة التي يعرضها المؤثرون قد يشكل عبئًا على ميزانية بعض الأسر، فيما يؤدي الانشغال بالهواتف إلى إضعاف الحوار والروابط بين الآباء والأبناء، خاصة في مرحلة المراهقة، مؤكدة أهمية التوجيه الواعي والاستخدام المتوازن للتكنولوجيا.
بدورها، أكدت معلمة التربية والتعليم منى العريبي أن مشاركة المناسبات السعيدة عبر منصات التواصل ليست خطأ في حد ذاتها، شريطة احترام خصوصية أفراد الأسرة واستئذانهم قبل نشر صورهم أو معلوماتهم.
وشددت على أهمية توعية الأطفال بحقهم في الخصوصية واحترام خصوصية الآخرين، حتى لا تتحول الحياة الأسرية إلى مادة للاستعراض وجذب المتابعين.
مشاركة أكثر وعيًا
وتتطلب حماية الخصوصية الرقمية التفكير قبل النشر، والاستئذان قبل مشاركة صور الآخرين، وتجنب نشر العناوين ومواقع السكن والوثائق الشخصية والمعلومات الصحية أو الدراسية دون موافقة أصحابها، إلى جانب توعية الأطفال بكيفية التعامل مع الإساءة والتهديد الإلكترونيين.
كما أن ضبط إعدادات الخصوصية لا يمنع بالضرورة إعادة تداول المحتوى، إذ يمكن حفظ المنشورات أو تصويرها وإرسالها إلى آخرين، ما يجعل الانتباه إلى طبيعة المعلومات المنشورة أمرًا أساسيًا.
ولا تعني حماية الحياة الخاصة الانقطاع عن منصات التواصل، بل تحقيق التوازن بين الاستفادة منها واحترام حقوق الآخرين، مع إدراك أن المحتوى المنشور قد يُحفظ ويُعاد تداوله خارج نطاقه الأصلي.
وفي فضاء رقمي يصعب فيه استعادة السيطرة على المعلومات بعد نشرها، يبقى احترام الخصوصية جزءًا من صون كرامة أفراد الأسرة وحماية الثقة بينهم، بحيث تظل التكنولوجيا وسيلة للتواصل لا سببًا في كشف الأسرار أو الإضرار بالعلاقات العائلية. (الأنباء الليبية) ك و
تقرير: زهرة البركي