بنغازي 16 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية)- تحيي ليبيا اليوم الأربعاء ذكرى “يوم الشهيد” التي توافق السادس عشر من سبتمبر من كل عام، تخليدًا لذكرى استشهاد شيخ المجاهدين عمر المختار عام 1931، في مناسبة تستعيد فيها البلاد صفحات من تاريخها الوطني، وتستحضر تضحيات من قدموا أرواحهم دفاعًا عن الوطن.
ولا تقف دلالة المناسبة عند استذكار الشهداء وتضحياتهم، بل تمتد إلى ما تركوه من قيم ومعانٍ وطنية، في مقدمتها التضحية والصبر والثبات والتمسك بالمبادئ، وما يمكن أن تمثله هذه القيم للأجيال الحالية في تحمل مسؤولياتها تجاه الوطن ومستقبله.
إرث وطني وذاكرة مشتركة
يحتل عمر المختار مكانة بارزة في الذاكرة الوطنية الليبية، بوصفه أحد أبرز رموز المقاومة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي، إذ واصل قيادة المجاهدين في مناطق الجبل الأخضر لسنوات، قبل أسره في سبتمبر عام 1931 وإعدامه شنقًا في سلوق في السادس عشر من الشهر ذاته.
ومنذ ذلك التاريخ، ارتبطت سيرته في الوجدان الليبي بمعاني الصمود والتضحية، وأصبح استذكارها جزءًا من الذاكرة الوطنية التي تتناقلها الأجيال، فيما يشكل “يوم الشهيد” مناسبة للتوقف أمام تلك التجربة واستحضار ما تحمله من دروس تتجاوز حدود المناسبة إلى الحاضر.
الوفاء.. من الذكرى إلى السلوك
ويرى المواطن علي الزرقاني أن “يوم الشهيد” ليس مجرد ذكرى، بل مناسبة لاستحضار رجال قدموا أرواحهم دفاعًا عن الوطن، مؤكدًا أن سيرة عمر المختار والشهداء تظل رسالة للأجيال بأن حب الوطن يُثبت بالأفعال، وأن التضحية من أجل الحق والحرية تبقى خالدة مهما مرت السنوات.
ومن جانبها، قالت المواطنة أمينة البرعصي إن “يوم الشهيد” يمثل مناسبة مهمة في تاريخ ليبيا لاستذكار من ضحوا بحياتهم من أجل الوطن، مؤكدة أن الشهادة ليست مجرد فقدان شخص، وإنما تضحية من أجل قضية ووطن، وهو ما يمنح هذه الذكرى معنى الوفاء والتقدير لكل شهيد قدم حياته من أجل ليبيا.
وأضافت أن من واجب الأجيال الحالية الحفاظ على ذكرى الشهداء وتعريف الأجيال الجديدة بتضحياتهم، حتى يدركوا قيمة الوطن وما قدمه السابقون من أجله، معتبرة أن “يوم الشهيد” فرصة للتوقف واستذكار كل من فقد حياته في سبيل بلاده، والتطلع إلى أن تكون ليبيا أفضل وأن تنعم بالأمن والاستقرار اللذين ضحى الشهداء من أجلهما.
من جانبه، قال المواطن محمد الهجني إن الوفاء لعمر المختار ولشهداء الوطن لا ينبغي أن يقتصر على إحياء ذكراهم في المناسبات، وإنما يمكن أن يتحول إلى قيم وسلوكيات في الحياة اليومية، من خلال تحمل المسؤولية، وأداء العمل بإخلاص، واحترام القانون، والمحافظة على الممتلكات العامة، وتعزيز التعاون والاحترام بين أفراد المجتمع.
وأضاف أن من صور الوفاء أيضًا تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ بلادها وشخصياتها الوطنية، والمحافظة على الذاكرة الوطنية، والاستفادة من دروس الماضي في بناء حاضر ومستقبل أفضل، مشيرًا إلى أن مسؤولية الأجيال الحالية تتمثل في مواصلة مسيرة البناء بالعلم والعمل واحترام الاختلاف والتعاون، كلٌّ في مجاله.
وأكد الهجني أن أفضل ما يمكن تقديمه وفاءً لعمر المختار ولشهداء الوطن هو أن تبقى سيرتهم مصدرًا للقيم والإلهام، وأن يتحول تقدير تضحياتهم إلى عمل مسؤول وإخلاص وحرص على مصلحة ليبيا ومستقبل أبنائها.
إرث المجاهدين ومسؤولية الدولة
وفي قراءة تتصل بالحاضر، أكد الصحفي أيوب الأوجلي أن ليبيا اليوم في أمسّ الحاجة إلى استذكار إرث المجاهدين الليبيين، وفي مقدمتهم عمر المختار، واستحضار تلك الصفحات المضيئة من التاريخ الوطني، باعتبارها إرثًا يمكن أن يشكل أرضية صلبة ومنطلقًا نحو بناء دولة واحدة بمؤسساتها وحكومتها وقواتها المسلحة الموحدة.
وقال الأوجلي إن هذا المسار قد يكون أقرب إلى التحقق في ظل ما تشهده المرحلة الراهنة من توافقات سياسية وحديث متزايد عن ترتيبات يمكن أن تقود إلى توحيد مؤسسات الدولة، موضحًا أن تجربة الجهاد ضد الاستعمار الإيطالي، وما رافقها من نشأة حركة المجاهدين وتطورها وتماسكها، تحمل درسًا مهمًا في قدرة الليبيين على الالتفاف حول القضايا الوطنية.
وأضاف أن استحضار هذه التجربة بصورة أكثر وعيًا وعمقًا يمكن أن يمنح الليبيين أرضية صلبة للانطلاق نحو المستقبل، مؤكدًا أهمية وضع هذا الإرث أمام الأجيال الحالية واستلهام قيمه للوصول إلى الغايات الوطنية وتحقيق المكتسبات السياسية.
من جهته، شدد الناشط الإعلامي حمدي بن زبيه على أن الوفاء لشيخ الشهداء عمر المختار يبدأ من حب الوطن والمحافظة عليه، واحترام كرامة الإنسان وحقوقه، والوقوف في وجه الظلم والفساد، والابتعاد عن الأنانية والمصالح الشخصية، مؤكدًا أن مصلحة الوطن ينبغي أن تكون فوق كل اعتبار.
وأوضح أن خدمة الوطن تكون بالعمل والإخلاص في مختلف المواقع، سواء كان الإنسان مسؤولًا أو موظفًا أو طالبًا أو عاملًا، وأن بناء الوطن لا يكون بالشعارات، وإنما بالعمل الصادق والمسؤول.
وأشار بن زبيه إلى أهمية المحافظة على التاريخ والذاكرة الوطنية وتعريف الأبناء بسيرة عمر المختار والشهداء بصورة صحيحة، إلى جانب المحافظة على الأماكن والمعالم المرتبطة بتاريخ الوطن وتوثيق قصص الشهداء والمجاهدين.
ولفت إلى أهمية العمل من أجل ليبيا يسودها القانون والعدالة، ويحصل فيها المواطن على حقوقه بعيدًا عن الواسطة والمحسوبية، وتحظى فيها مؤسسات الدولة بالاحترام، ويشعر فيها المواطن بالأمان والكرامة، مؤكدًا أن أعظم تكريم لتضحيات عمر المختار ورفاقه هو أن تكون الأجيال الحالية على قدر المسؤولية وتسهم في بناء وطن أفضل للأجيال القادمة.
ومن جانبه، قال أحمد الزرقاني، من المركز الإعلامي لمنارة الفاروق لتحفيظ القرآن الكريم، إن “يوم الشهيد” يمثل مناسبة لاستذكار تضحيات الأبطال الذين بذلوا أرواحهم دفاعًا عن الوطن والكرامة والحرية، مؤكدًا أن سيرة شيخ الشهداء عمر المختار تبقى مثالًا خالدًا في الشجاعة والصبر والثبات على المبادئ.
وأضاف أن الرسالة التي ينبغي استحضارها من تضحيات عمر المختار والشهداء تتمثل في أن حب الوطن مسؤولية، وأن التضحية من أجل الحق والكرامة لا تُنسى، مشددًا على أهمية المحافظة على الوطن والتمسك بوحدته، ونقل قيم الشجاعة والوفاء والإخلاص التي جسدها الشهداء إلى الأجيال القادمة.
القدوة.. طريق انتقال القيم إلى الأجيال
وفي الجانب التربوي، أكد الأستاذ الدكتور سكينة بن عامر، عضو هيئة تدريس بكلية الإعلام والمهتم بأدب الأطفال وثقافتهم، أن “يوم الشهيد” يمثل مناسبة مهمة في تاريخ ليبيا لاستذكار من ضحوا بحياتهم من أجل الوطن، وما قدموه من تضحيات تستحق الوفاء والتقدير.
وقالت بن عامر إن من واجب الأجيال الحالية الحفاظ على ذكرى الشهداء وتعريف الأجيال الجديدة بتضحياتهم، حتى يدركوا قيمة الوطن وما قدمه السابقون من أجله، معربة عن أملها في أن تنعم ليبيا بالأمن والاستقرار اللذين ضحى الشهداء من أجلهما.
وترى بن عامر أن الحديث عن قيم عمر المختار لا يكتمل من دون تحويلها إلى سلوك يومي، موضحة أن الأطفال لا يتعلمون من الكلام وحده، وإنما من خلال ما يشاهدونه في سلوك الكبار، داعية إلى صناعة القدوة داخل الأسرة والمجتمع من خلال الصدق والشهامة والإيثار ومساعدة الآخرين واحترامهم.
وأشارت إلى أهمية ربط الماضي بالحاضر في تقديم سيرة عمر المختار للأطفال، بحيث يظهر بصفته نموذجًا يمكن الاقتداء بقيمه في الحياة اليومية، كرفض الظلم ونصرة الضعيف ومواجهة التنمر والاعتداء، بما يساعد على تحويل التاريخ من مجرد حكايات إلى قيم حية في سلوك الأجيال.
وفي السياق ذاته، أكدت عضو هيئة التدريس بقسم الصحافة الدكتور سليمة زيدان أن غرس القيم التي تمنح الحياة معناها يحتاج إلى منظومة مجتمعية تتكامل فيها أدوار مؤسسات التنشئة الاجتماعية، بدءًا من الأسرة مرورًا بالمدرسة وانتهاءً بوسائل الإعلام.
وأوضحت أن الأسرة تضطلع بدور أساسي في التربية وغرس القيم، فيما تعزز المدرسة وظيفتها المجتمعية بالتزامن مع غرس المعرفة، بينما تؤدي وسائل الإعلام دورًا في حماية القيم وتعزيزها، داعية إلى التركيز على “إعلام القيمة” بدلًا من الانشغال بـ”إعلام الترند”.
وأكدت زيدان أن الرسالة الإعلامية في جوهرها قيمة، وأن المجتمع الذي يمارس حياته وفق منظور قيمي يعزز المروءة والشهامة ويجسد المعاني الإنسانية قادر على تحويل هذه القيم من مفاهيم مجردة إلى ممارسة يومية.
ذكرى تستحضر المستقبل
وبين استذكار الشهداء واستعادة سيرة المجاهدين، تظل ذكرى “يوم الشهيد” مناسبة تتجاوز استعادة أحداث الماضي إلى التفكير فيما يمكن أن تقدمه تلك التجربة للأجيال الحالية.
فالتضحيات التي قدمها الليبيون دفاعًا عن وطنهم تضع أمام الحاضر مسؤولية الحفاظ على ما يجمع أبناء البلاد، وتعزيز التعاون والاحترام والالتزام بالمصلحة الوطنية، وصولًا إلى دولة موحدة بمؤسساتها، يكون فيها الاختلاف طريقًا للتكامل لا سببًا للانقسام.
ومن هنا، فإن استلهام إرث عمر المختار والمجاهدين لا يقتصر على تخليد أسمائهم، وإنما يستمد قيمته من القدرة على تحويل تلك الذاكرة إلى عمل ومسؤولية، وإلى وعي بأن وحدة الوطن والحفاظ على تماسكه تظل من أبرز صور الوفاء لمن قدموا حياتهم من أجله. (الأنباء الليبية) ك و
تقرير: رهام العبيدي/ زهراء البركي/ سندس الترهوني/ هبة العلواني/ هبة الفيتوري