بنغازي 09 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية) – مع انطلاق العام الدراسي، لا تبدأ معاناة بعض الطلاب من داخل الفصول الدراسية، بل من أمام مكاتب التسجيل، حيث تقف أوراق ناقصة أو بيانات غير مكتملة أو إجراءات متوقفة في طريق قيدهم الرسمي، وبينما يواصل هؤلاء الطلاب حضورهم إلى مدارسهم ومتابعة دراستهم، تظل أوضاعهم معلقة بين المدرسة والسجل المدني والمنظومة التعليمية، بما ينعكس على حصولهم على الكتب والشهادات والانتقال بين المراحل الدراسية.
وفي بنغازي، تكشف إفادات مسؤولي التعليم وإدارات المدارس عن مئات الحالات التي تحمل وصف «التعثر الإداري»، لأسباب تتنوع بين مشكلات الرقم الوطني وشهادات الميلاد والإقامة، وتعطل المنظومات الإلكترونية، وتأخر استكمال المستندات. وبين محاولات المدارس احتواء الطلاب وإجراءات الجهات المختصة لحصر الحالات ومعالجتها، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن ضمان ألا تتحول مشكلة إدارية إلى عائق أمام حق الطالب في التعليم؟.
مستندات يصعب توفيرها
توضح مبروكة الشهيبي، مديرة مدرسة زهرة السليفيوم، أن ملف الطلاب المتعثرين إدارياً أصبح يشكل عبئاً متزايداً على إدارات المدارس، مشيرة إلى أن استمرار هذه التعقيدات دفع المدرسة إلى التفكير في التوقف عن قبول الطلاب الأجانب لتجنب المشكلات المرتبطة باستكمال إجراءات تسجيلهم.
وتشير الشهيبي إلى أن بعض الحالات ترتبط بعدم توفر مستندات رسمية، من بينها الإقامة سارية المفعول أو شهادة الميلاد الحديثة، خاصة للطلاب القادمين من دول تمر بظروف أو نزاعات، إضافة إلى تعذر استكمال التسجيل نتيجة إغلاق المنظومة المركزية في طرابلس.

ولا تقتصر الحالات على الطلاب الأجانب، إذ تشير الشهيبي إلى وجود طلاب من أمهات ليبيات وآباء أجانب، من بينهم تونسيون ومصريون، ظل بعضهم لسنوات دون تسوية أوضاعهم.
وتستشهد بحالة طالبتين، حفيدتي معلمة من الرعيل الأول بمدرسة السيدة هاجر، ظلتا ثلاث سنوات دون تسجيل في المنظومة أو الحصول على شهادات رسمية، رغم أن الأم والجد والجدة ليبيون.
التعثر يحرم الطالب من بعض حقوقه
توضح الشهيبي أن استمرار التعثر الإداري ينعكس مباشرة على الطالب، إذ تضطر المدرسة في بعض الحالات إلى منحه شهادة داخلية بدلاً من الشهادة الرسمية، كما لا يحصل على حصته من الكتب المدرسية لعدم إدراجه ضمن بيانات المنظومة.
وتضع هذه المشكلة إدارات المدارس أمام شكاوى أولياء الأمور، الذين قد لا يدركون أن بعض أسباب التعثر تقع خارج نطاق صلاحيات المدرسة وإمكاناتها.
ومن جهتها، تؤكد سعاد بعيو، مديرة مدرسة الاتحاد، أن مصطلح «الطلاب المتعثرين» لا يرتبط بالتعثر الدراسي، وإنما يمثل وصفاً لحالات إدارية وقانونية، موضحة أن الحالات الموجودة في مدرستها تتعلق بالطلاب الأجانب الذين لم يستوفوا إجراءات الإقامة أو لا يملكون رقماً وطنياً.
المدرسة تعوض غياب الكتب
وتقول بعيو إن المدرسة تعاملت مع هذه الفئة انطلاقاً من مسؤوليتها التعليمية والإنسانية، خصوصاً في ما يتعلق بتوفير المناهج الدراسية، إذ إن بقاء الطالب خارج المنظومة الرسمية يحول دون تخصيص كتب مدرسية له.
وتضيف أن المدرسة اضطرت خلال سنوات سابقة إلى شراء المناهج الدراسية من المكتبات على نفقتها الخاصة لضمان حصول جميع الطلاب على الكتب ومتابعة دراستهم بصورة طبيعية.
وتوضح أن المدرسة تلتزم بلوائح وزارة التعليم التي تشترط توقيع ولي الأمر عقداً يتعهد بموجبه باستكمال أوراق الإقامة خلال ثلاثة أشهر، إلا أن الواقع يكشف صعوبة استكمال الإجراءات ضمن المدة المحددة.
وتشير بعيو إلى أن اثنين فقط من أصل 68 طالباً متعثراً تمكنوا خلال العام الماضي من استكمال أوراقهم، بينما بقي الآخرون ضمن ملف المتعثرين بانتظار تسوية أوضاعهم أو صدور قرارات بشأنهم.
ورغم هذه الصعوبات، تؤكد استمرار المدرسة في احتواء الطلاب وعدم السماح بضياع عامهم الدراسي، إلى جانب تقديم تسهيلات مالية لأولياء الأمور، من بينها تقسيط الرسوم والتحويلات المصرفية.
ثلاث فئات للمتعثرين
ويصنف سعيد ماضي، مدير مكتب الامتحانات ببنغازي، الطلاب المتعثرين في المدينة إلى عدة فئات، لكل منها أسبابها الخاصة، وتضم الفئة الأولى التلاميذ الذين بلغوا سن الدراسة دون امتلاك شهادة ميلاد رسمية، ويكتفون بوثيقة واقعة الولادة، مرجعاً ذلك إلى تأخر بعض الأسر في استكمال الإجراءات أو وجود تعقيدات مرتبطة بالسجل المدني.
ويؤكد ماضي أن المنظومة التعليمية مرتبطة تقنياً بمنظومة الرقم الوطني والسجل المدني، الأمر الذي يجعل نقص مستندات الطالب أو والديه سبباً في رفض التسجيل آلياً.

وتشمل الفئة الثانية الطلاب الأجانب وأبناء الأمهات الليبيات، حيث تتطلب بعض الحالات وجود إقامة سارية المفعول واستكمال المستندات القانونية، فيما أدى إغلاق المنظومة المركزية لأكثر من 60 يوماً إلى عرقلة استكمال بيانات عدد من الحالات.
أما الفئة الثالثة فتضم الطلاب الذين لم تدرج بياناتهم في منظومة العامين الدراسيين الأخيرين، نتيجة تأخر بعض المدارس، خاصة مدارس التعليم الخاص، في الحصول على الكود الخاص بالمنظومة، أو بسبب إغلاق المنظومة في وقت متأخر.
ويقدر ماضي عدد الطلاب المتعثرين في بنغازي بنحو 600 طالب من إجمالي يقارب 300 ألف طالب، مشيراً إلى أن الحالات موزعة بصورة متقاربة بين قطاعي التعليم العام والخاص.
ويؤكد أن مكتب الامتحانات اتخذ إجراءات استثنائية لضمان استمرار هؤلاء الطلاب في الدراسة، من بينها إعداد كشف خاص بالمتعثرين تعتمد بياناته من المدارس، بهدف حصر الحالات ومتابعتها وعدم توقف الطلاب عن التعليم.
كما صدرت تعليمات بقبول الطلاب الناجحين في الشهادة الابتدائية والمنتقلين إلى المرحلة الإعدادية استناداً إلى إفادات خارجية مؤقتة، نظراً لتعذر استخراج بعض الشهادات الإلكترونية في الوقت الحالي.
تسهيلات للامتحانات
وفي ما يتعلق بطلاب الشهادات العامة، يوضح ماضي أن الطالب الذي يملك رقماً إدارياً أو يعاني من مشكلات مرتبطة بالجنسية يمكنه دخول الامتحانات إذا قدم إفادة من السجل المدني تثبت أن إجراءاته قيد الإنجاز.
غير أن طالب الشهادة الإعدادية قد يواجه صعوبة في دخول الامتحانات النهائية ما لم يسو وضعه القانوني ويوفر المستندات المطلوبة، ومنها شهادة الميلاد أو الإقامة بحسب الحالة.
ويشير ماضي إلى أن توقف المنظومة المركزية لأكثر من 60 يوماً تسبب في ضغط كبير على المدارس والجهات المختصة، مؤكداً استمرار التواصل مع وزارة التعليم للبحث عن حلول، من بينها إيجاد منظومات ملحقة تساعد على معالجة الحالات العالقة.
كما دعا إدارات المدارس إلى الدقة والتروي عند إدخال بيانات الطلاب، ومراجعة النتائج مع المعلمين قبل اعتمادها بصورة نهائية.
ويكشف إدريس إجويلي، مدير مكتب التعليم الخاص ببنغازي، عن جهود المكتب لمتابعة ملف الطلاب المتعثرين إدارياً، موضحاً أن المكتب أطلق منصة إلكترونية تتضمن قسماً مخصصاً لحصر هؤلاء الطلاب بالاسم والبيانات الكاملة، بهدف متابعة أوضاعهم وضمان عدم إهمال الحالات.

ويقدر إجويلي عدد الطلاب المتعثرين في قطاع التعليم الخاص بنحو 800 طالب وطالبة من إجمالي يقارب 140 ألف طالب، موضحاً أن التعثر المقصود هو وجود عائق إداري يحول دون تسجيل الطالب في منظومة «الشاطئ» الوطنية.
وتشمل أسباب التعثر، بحسب إجويلي، مشكلات الرقم الوطني، وسقوط القيد، ونقص المستندات الثبوتية، مثل شهادات الميلاد وجوازات السفر.
ويبين أن تأخر بعض أولياء الأمور في تقديم المستندات المطلوبة ضمن المواعيد المحددة قد يؤدي إلى استمرار المشكلة حتى وصول الطالب إلى سنوات الشهادة الإعدادية.
حصر الحالات وتحديد المسؤولية
ويؤكد إجويلي أن مبادرة المكتب لا تستهدف حصر الأعداد فقط، وإنما دراسة أسباب التعثر وتحديد الجهة المسؤولة عن التأخير، سواء كان ولي الأمر أو جهة إدارية، بما يساعد على وضع مسار واضح لمعالجة كل حالة.
ويشير إلى أن الطلاب من الجنسية الفلسطينية يعاملون معاملة الليبيين في إجراءات الحصر والمعالجة، بما يضمن حصولهم على حقهم في القيد النظامي والتعليم.
وتكشف إفادات إدارات المدارس والجهات المختصة أن التعثر الإداري في بنغازي لا يرتبط بسبب واحد، بل ينتج عن تداخل متطلبات قانونية ومستندات رسمية وإجراءات إدارية، إلى جانب المشكلات التقنية التي تواجه المنظومات الإلكترونية.
كما يظهر تفاوت أعداد الحالات بين الجهات الحاجة إلى قاعدة بيانات موحدة تحدد العدد الفعلي للطلاب المتعثرين، وتصنف أسباب التعثر، وتوضح الجهة المسؤولة عن كل إجراء.
وتبقى المشكلة الأبرز ضمان عدم تحول العوائق الإدارية والتقنية إلى عائق دائم أمام الطالب، خصوصاً أن استمرار الدراسة دون قيد رسمي قد يضعه أمام مشكلات أكبر عند الانتقال إلى المراحل الدراسية العليا أو التقدم لامتحانات الشهادات العامة.
وبينما تواصل المدارس والجهات التعليمية حصر الحالات وتوفير حلول مؤقتة تضمن استمرار الدراسة، تبدو الحاجة ملحة إلى آلية موحدة وسريعة لتسوية أوضاع الطلاب، بحيث لا يبقى مستقبلهم الدراسي رهيناً بإجراءات متأخرة أو منظومات متوقفة.
فمتى تنتهي معاناة الطلاب المتعثرين داخل مؤسساتنا التعليمة وهل ينتظرهم مقعد دراسي هذا العام؟. (الأنباء الليبية) ص و.
تقرير: سلسبيل الورفلي