بنغازي 03 مايو 2026 (الأنباء الليبية) – يشهد قطاع الإعلام تحولات متسارعة على المستويين المحلي والدولي، ترافقها تطورات لافتة في أدوات وتقنيات العمل الصحفي، الأمر الذي يفرض تحديات مهنية متزايدة تتعلق بالدقة والمصداقية، وقدرة المؤسسات الإعلامية والصحفيين على التكيف مع بيئة رقمية متغيرة، مع الحفاظ على القيم المهنية والأخلاقية للمهنة.
ورغم ما أتاحته الوسائط الرقمية من فرص أوسع للوصول إلى الجمهور، إلا أن المخاوف تتزايد بشأن تراجع بعض المعايير المهنية، وابتعاد عدد من الممارسين عن جوهر العمل الصحفي القائم على الميدان والتقصي.
الصحافة مهنة التحدي والكلمة
وأكدت الصحفية ورئيسة تحرير منصة “ليبي اليوم” الإلكترونية، الصادرة عن الهيئة العامة للصحافة – فرع بنغازي، ابتسام العقوري، في حوار مع صحيفة الأنباء الليبية، أن مهنة الصحافة لا تزال قائمة على التحدي، وأن الكلمة المكتوبة ما زالت تحتفظ بقيمتها وأثرها رغم التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي.
واستهلت العقوري حديثها بالتأكيد على أن بداياتها في عالم الصحافة كانت مبكرة، منذ سنوات الدراسة الجامعية، حيث اختارت التخصص في الصحافة، معتبرة أن تلك المرحلة شكلت الانطلاقة الحقيقية لمسيرتها المهنية.
وأشارت إلى الدور الذي لعبه الأستاذ الراحل عبد الله عبد المحسن، الذي وصفته بالموجه الأول، مؤكدة أنه كان داعمًا أساسيًا لها، وساهم في تعزيز ثقتها بنفسها لخوض هذا المجال، موضحة أن انطلاقتها الفعلية كانت عام 1994 من خلال صحيفة جامعة قاريونس.
وبشأن التحديات، أوضحت أن الصحافة بطبيعتها “مهنة المتاعب”، وأن الصعوبات لا ترتبط بمرحلة زمنية معينة، بل ترافق الصحفي طوال مسيرته، مضيفة أنها كانت تتعامل مع كل تحدٍ باعتباره دافعًا للاستمرار واكتساب مزيد من القوة والخبرة.
وفي تقييمها لمفهوم الصحفي الناجح، شددت العقوري على ضرورة التمييز بين مصطلحي “صحفي” و”إعلامي”، معتبرة أن المصطلح الأخير أصبح فضفاضًا، بينما الصحفي الحقيقي هو من يمتلك أدوات الكتابة، ويؤمن بقوة الكلمة المكتوبة التي تبقى – بحسب وصفها – أكثر رسوخًا في الذاكرة من غيرها من الوسائط.
وأضافت أن العمل الصحفي لا يمكن أن يكتمل دون الاحتكاك المباشر بالواقع، مشيرة إلى أن الاعتماد الكلي على الوسائل الرقمية يُفقد المادة الصحفية روحها، مؤكدة أن الميدان يظل المصدر الحقيقي لصناعة القصة الصحفية.
الذكاء الاصطناعي يغير شكل المهنة
وفيما يتعلق بالتحولات الرقمية، رأت العقوري أنها أسهمت في دعم العمل الصحفي وفتحت المجال أمام فئات أوسع لدخول هذا المجال، كما ساعدت أدوات الذكاء الاصطناعي في تطوير بعض أشكال المحتوى، سواء على مستوى الكتابة أو إنتاج الفيديو أو المواد البصرية.
إلا أنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة استخدام هذه التقنيات بشكل متوازن، محذرة من الاعتماد الكامل عليها، لما قد يترتب عليه من فقدان الهوية المهنية وتحول المحتوى إلى نماذج متشابهة.
وأكدت أن الصحافة لا تزال قادرة على التأثير في الرأي العام وصناعة القرار، خاصة إذا تم توظيفها بشكل مهني ومدروس، من خلال حملات إعلامية منظمة تستند إلى أسس واضحة.
وفي حديثها عن أخلاقيات المهنة، لفتت إلى أن أبرز التحديات الراهنة تتمثل في انتشار الأخبار المضللة وخطاب الكراهية، مؤكدة أهمية تبني خطاب إعلامي متوازن يسهم في ترسيخ “صحافة السلام” والابتعاد عن تغذية الانقسام.
وفيما يخص حضور المرأة، أشادت العقوري بالدور الذي لعبته الصحفيات الليبيات في تأسيس العمل الصحفي، مشيرة إلى أسماء رائدة مهدت الطريق للأجيال اللاحقة، مؤكدة أن المرأة أثبتت قدرتها على العمل في هذا المجال رغم الصعوبات، وإن كانت بعض التحديات لا تزال قائمة.
ووجهت رسالة للصحفيات الشابات، دعت فيها إلى خوض التجربة الميدانية وعدم الاكتفاء بالعمل المكتبي، معتبرة أن الاحتكاك المباشر بالواقع هو ما يصنع الفارق الحقيقي في التجربة المهنية.
وعن اليوم العالمي لحرية الصحافة، أعربت العقوري عن رؤيتها بأن هذه المناسبة لم تعد تحدث أثرًا ملموسًا على أرض الواقع، في ظل استمرار التحديات المتعلقة بتضييق الحريات، معتبرة أنه يوم يمر دون إحداث تغيير حقيقي في أوضاع الصحفيين.
وفيما يتعلق بمستقبل الصحافة، أعربت عن تفاؤلها، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي سيغير شكل المهنة، حيث ستختفي بعض المهام مقابل ظهور أخرى أكثر تطورًا، مؤكدة أهمية مواكبة هذه التحولات دون التفريط في الأسس المهنية.
واختتمت العقوري حديثها بالتأكيد على أن المشهد الإعلامي في ليبيا بحاجة إلى إعادة تنظيم، في ظل دخول غير المختصين إلى المجال، داعية إلى وضع معايير واضحة تضمن الارتقاء بالمحتوى الإعلامي، وإعطاء الفرصة لأصحاب التخصص. (الأنباء الليبية) ك و
متابعة: أحلام الجبالي / هدى الشيخي