بنغازي 29 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – قال مستشار التدريب والحوكمة ومدير إدارة المخاطر والفرص بالجامعة الليبية الدولية، الدكتور سلام الجروشي، إن الاحتراق الوظيفي أصبح من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات الحديثة، لما له من تأثير مباشر على الأداء والإنتاجية والكفاءة داخل بيئات العمل المختلفة.
وأوضح الجروشي لصحيفة الأنباء الليبية، أن الاحتراق الوظيفي لا يُعد مجرد شعور عابر بالتعب أو الإرهاق، بل هو حالة من الاستنزاف النفسي والاجتماعي المستمر، تؤدي إلى تراجع واضح في جودة العمل، وتنعكس سلبًا على الفرد والمؤسسة معًا.
الأبعاد الثلاثة للاحتراق الوظيفي
وأشار إلى أن الاحتراق الوظيفي يتكون من ثلاثة أبعاد رئيسية، أولها الإرهاق العاطفي، حيث يفقد الموظف طاقته النفسية مبكرًا ويشعر بالإجهاد منذ بداية يومه، وثانيها تبلد المشاعر، فيتراجع اهتمامه بالعمل والزملاء والمسؤوليات اليومية، أما البعد الثالث فهو الشعور بانعدام الإنجاز، حيث يفقد الموظف الإحساس بالرضا مهما بذل من جهد.
وأضاف أن هذه الحالة النفسية تؤدي إلى تعطل التركيز الذهني، وزيادة نسبة الأخطاء، وتكرار المهام دون تحقيق نتائج حقيقية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على انخفاض الإنتاجية والكفاءة.
تأثيرات اجتماعية داخل بيئة العمل
وفي الجانب الاجتماعي، أوضح الجروشي أن الاحتراق الوظيفي لا يقتصر تأثيره على الفرد فقط، بل يمتد إلى الفريق بالكامل، واصفًا إياه بأنه “معدٍ” داخل بيئة العمل، حيث يميل الموظف إلى الانسحاب من الفريق، وعدم طلب المساعدة، مما يؤدي إلى تأخر حل المشكلات واستنزاف الوقت.
كما أشار إلى أن سرعة الانفعال الناتجة عن الضغط النفسي تؤدي إلى تصاعد الخلافات المهنية، وإطالة الاجتماعات دون نتائج فعالة، إلى جانب ضعف روح التعاون، وضياع الأفكار والفرص وتأخر إنجاز المهام.
وضرب مثالًا بالقطاع الصحي، موضحًا أن الممرض الذي يعاني من الاحتراق الوظيفي قد يتردد في طلب الدعم أو المساندة، ما يشكل خطرًا مباشرًا على المرضى والفريق الطبي بأكمله.
انعكاسات مباشرة على الإنتاجية والحلول المقترحة
وبيّن الجروشي أن التأثير المباشر للاحتراق الوظيفي يظهر في ثلاثة مؤشرات رئيسية، تتمثل في انخفاض الإنتاجية من خلال تراجع حجم المخرجات لكل ساعة عمل، وتراجع الكفاءة بسبب كثرة الأخطاء وإعادة العمل وهدر الوقت، إضافة إلى انخفاض الفعالية نتيجة ضعف تحديد الأولويات وضياع الأهداف.
وأكد أن الخسائر الناتجة عن الاحتراق الوظيفي قد تصل إلى ما بين 30 إلى 50 بالمئة في بعض القطاعات، بسبب ترك الموظفين لأعمالهم أو وقوع الأخطاء المهنية والطبية التي يمكن تفاديها.
وعن الحلول، دعا الأفراد إلى وضع حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية، مثل تحديد وقت صارم لانتهاء ساعات العمل، وعدم الاستجابة الفورية لكل الطلبات، بل اعتماد أسلوب أكثر تنظيمًا مثل تأجيل الرد عند الحاجة.
كما شدد على أهمية دور القيادات الإدارية في الحد من هذه الظاهرة، من خلال قياس عبء العمل الحقيقي للموظفين، وليس فقط تقييم النتائج النهائية، إضافة إلى دعم ثقافة الصحة النفسية داخل المؤسسات، وتطبيع منح أيام راحة نفسية دون ضغوط أو تبريرات، فضلًا عن تقليل الاجتماعات غير الضرورية.
واختتم الجروشي حديثه بالتأكيد على أن الاحتراق الوظيفي ليس دليلًا على الاجتهاد أو وسام شرف، بل هو أحد أخطر أسباب تراجع الأداء المؤسسي، مشيرًا إلى أن أسرع طريق نحو الإنتاجية الحقيقية يبدأ من التعافي النفسي، لأن الموظف المنهك لا يمكنه تقديم عمل عظيم، والطاقة الجيدة هي أساس العمل الجيد. (الأنباء الليبية) ك و
متابعة: حنان الحوتي