بنغازي 04 مارس 2026 (الأنباء الليبية) ـ تواجه الأسواق العالمية قفزة غير مسبوقة في أسعار البن، مدفوعة بتضافر صدمات مناخية حادة، ومضاربات مالية متصاعدة، واختلالات في سلاسل الإمداد الدولية.
وبينما تترقب الأسواق احتمالات تصحيح سعري العام المقبل، تظل الدول المستوردة وفي مقدمتها ليبيا الأكثر عرضة لتداعيات هذه الموجة التي تهدد بإعادة تعريف مكانة القهوة في الحياة اليومية.
المناخ والبن
لم تكن الارتفاعات الأخيرة مجرد تذبذب عابر، بل كانت نتيجة لموجات حرارة وجفاف ضربت كبار المنتجين في البرازيل وفيتنام وإثيوبيا، مما أدى إلى خسائر فادحة في المحاصيل خلال عام 2024.
وفي تصريح لوكالة الأنباء الليبية، أكد رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور حلمي القماطي، أن “القهوة تعد من أكثر السلع الزراعية حساسية لدرجات الحرارة، وأن أي اضطراب مناخي حاد في دول المنشأ ينعكس فوراً على معدلات الإنتاج العالمي، مما يدفع الأسعار نحو مستويات قياسية.
تغيير السياق
اللافت في الأزمة الراهنة هو خروج القهوة من سياقها كسلعة زراعية لتصبح “أصلاً مالياً” جذاباً في البورصات العالمية. فقد سجلت العقود الآجلة للبن خلال عام 2025 ارتفاعاً وصل إلى نحو 4.4 دولار للرطل، بزيادة سنوية تجاوزت 50% وفقاً لتقديرات البنك الدولي.
وأوضح القماطي أن دخول الصناديق الاستثمارية والمضاربات المالية على خط الأزمة جعل القهوة عرضة لتقلبات حادة تشبه ما يحدث في أسواق النفط والقمح، وهو ما يعقد قدرة الدول المستوردة على التنبؤ بالأسعار المستقبلية وضبط الأسواق المحلية.
السوق الليبي
بالنسبة لليبيا، كواحدة من الدول التي تعتمد كلياً على الاستيراد لتغطية احتياجاتها من البن، فإن أثر الصدمة العالمية يبدو مضاعفاً. ويعزو الخبراء ذلك إلى عدة عوامل محلية منها (تقلبات سعر الصرف التي ترفع تكلفة الاستيراد بشكل مباشر ومستمر، وتركّز السوق بوجود احتكار من قبل قلة من الموردين، مما يضعف المنافسة السعرية العادلة، والتضخم النقدي الناتج عن زيادة السيولة دون وجود غطاء إنتاجي موازٍ).
وحذر رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي من أن غياب أدوات امتصاص الصدمات الاقتصادية في ليبيا يجعل المستهلك المحلي في مواجهة مباشرة مع أي ارتفاع عالمي، دون وجود مظلة حماية سعرية أو مخزون استراتيجي يضمن استقرار السوق.
الغش التضخمي
ومع تصاعد التكاليف، برزت مخاوف من لجوء بعض الموردين أو المصانع المحلية إلى ما يعرف بـ “الغش التضخمي” للحفاظ على استقرار السعر الظاهري على حساب المستهلك. ويشمل ذلك (خلط البن بمواد ومحسنات أقل جودة لزيادة الوزن، المبالغة في التحميص الداكن لإخفاء عيوب الطعم في الحبوب الرديئة، التحول إلى استيراد درجات استهلاكية أدنى (مثل الروبوستا منخفضة الجودة) بدلاً من الأنواع الفاخرة).
تحولات اجتماعية
وتشير المعطيات الحالية إلى احتمال حدوث تغيير في السلوك الاستهلاكي الليبي؛ حيث قد يضطر المواطنون إلى تقليل عدد مرات الاستهلاك اليومي أو التراجع عن ارتياد المقاهي، والبحث عن بدائل أقل تكلفة كالشاي أو القهوة سريعة التحضير.
ورغم ذلك، تظل القهوة في ليبيا “طقساً اجتماعياً” متجذراً، ما يجعل المساس بها يتجاوز البعد الاقتصادي ليصل إلى التأثير النفسي والاجتماعي على المواطن.
استشراف المستقبل
ويرى المحللون سيناريوهين للمرحلة المقبلة، الأول تصحيح نسبي للأسعار في حال تحسن الظروف المناخية وزيادة الإنتاج خلال عام 2026، والثاني تحول هيكلي طويل الأمد إذا استمرت الضغوط المناخية، مما قد يؤدي إلى تقلص الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً).
واختتم القماطي رؤيته بالقول، “إذا استمر المسار المناخي والمالي الحالي، فقد نودع عصر القهوة كسلعة يومية رخيصة، لتتحول تدريجياً إلى استهلاك أسبوعي أو منتج شبه فاخر يعكس ملامح الأزمة الاقتصادية العالمية”. (الأنباء الليبية ـ بنغازي) ه ع
تقرير: بشرى العقيلي