بنغازي 21 قبراير 2026 (الأنباء الليبية) – حين يُذكر اسم القس والمناضل الأمريكي جيسي جاكسون، الذي رحل عن عالمنا الأربعاء الماضي، يُستعاد تاريخ طويل من الكفاح من أجل العدالة العرقية في الولايات المتحدة. لم يكن جاكسون سياسيًا تقليديًا، بل أحد أبرز وجوه حركة الحقوق المدنية التي أعادت تشكيل الضمير الأمريكي في ستينيات القرن الماضي. وكما قال عن نفسه: “لم أولد وفي فمي ملعقة من ذهب، بل في يدي مجرفة”، في إشارة إلى نشأته المتواضعة في بيئة فقيرة بولاية كارولاينا الجنوبية، وإلى مسار نضالي صنعه بجهده الشخصي.
شارك جاكسون في أولى الاعتصامات السلمية عام 1960، وانخرط في حركة الحقوق المدنية بقيادة القس مارتن لوثر كينغ الابن، حيث كان من المقربين إليه، وشارك في حملات المقاطعة والاعتصامات التي هزّت البنية القانونية للتمييز العنصري في الجنوب الأمريكي.
- من الحلم إلى السياسة: ترشح للرئاسة وتوسيع دائرة النضال
بعد اغتيال كينغ عام 1968، واصل جاكسون المسيرة، وأسّس لاحقًا منظمة “تحالف قوس قزح” التي هدفت إلى توحيد الأقليات العرقية والطبقات الفقيرة ضمن مشروع سياسي جامع.
بلغ نضاله ذروته السياسية عندما ترشح للانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عامي 1984 و1988، ليصبح أول أمريكي من أصول أفريقية يحقق نتائج واسعة في سباق رئاسي وطني. لم يفز بالترشيح، لكنه غيّر قواعد اللعبة السياسية، وفتح الباب أمام أجيال لاحقة من القيادات السوداء، وصولًا إلى انتخاب باراك أوباما عام 2008.
- هل انتهت العنصرية؟ الواقع الأمريكي بعد عقود من النضال
رغم الإنجازات التشريعية الكبرى، مثل قانون الحقوق المدنية لعام 1964 وقانون حق التصويت لعام 1965، فإن التوترات العرقية لم تختفِ. بل عادت إلى الواجهة بقوة خلال العقد الأخير، خصوصًا في ما يتعلق بعنف الشرطة ضد الأمريكيين من أصول أفريقية. ومن أبرز الحوادث التي هزّت الرأي العام، مقتل جورج فلويد (2020) في مدينة مينيابوليس، بعد أن جثم شرطي على عنقه لأكثر من تسع دقائق، ما أدى إلى موجة احتجاجات عالمية تحت شعار “حياة السود مهمة، مقتل بريونا تايلور (2020) خلال مداهمة شرطية خاطئة في منزلها بولاية كنتاكي، مقتل مايكل براون (2014) في فيرغسون بولاية ميزوري، وهي الحادثة التي فجّرت احتجاجات واسعة وأعادت النقاش حول عسكرة الشرطة والتمييز البنيوي.
ويرى المراقبون أن هذه الوقائع لم تُقرأ كحوادث فردية فحسب، بل كأعراض لبنية اجتماعية ما تزال تعاني من إرث العبودية وقوانين الفصل العنصري.
- خطاب سياسي مثير للجدل: تلميحات دونالد ترمب
خلال ولايته الأولى (2017–2021)، أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب جدلًا واسعًا بسبب عدد من التصريحات والمواقف التي اعتبرت ذات طابع عنصري أو إقصائي. ومن أبرز الأمثلة التي أثارت انتقادات، تعليقه عام 2017 على أحداث شارلوتسفيل، حيث قال إن هناك “أشخاصًا طيبين من الجانبين”، في إشارة إلى مواجهات بين متظاهرين من اليمين المتطرف وناشطين مناهضين للعنصرية، استخدامه تعبير “دول قذرة” في حديث منسوب إليه عن دول أفريقية وهايتي خلال اجتماع بالبيت الأبيض عام 2018، مواقفه المتشددة بشأن الهجرة من دول ذات أغلبية غير بيضاء، بما في ذلك حظر السفر الذي طال دولًا ذات غالبية مسلمة.
- بين إرث جاكسون وواقع اليوم
لو قُدّر لجيسي جاكسون أن يقيّم المشهد الأمريكي اليوم، لربما رأى في الاحتجاجات المعاصرة امتدادًا طبيعيًا لمسيرة بدأت قبل أكثر من ستة عقود. فالحلم الذي صاغه كينغ، وساهم جاكسون في حمله، لم يكن مجرد إلغاء قوانين، بل تغييرًا عميقًا في الثقافة والوعي والمؤسسات.
ورغم التقدم الملحوظ في تمثيل الأقليات داخل السياسة والإعلام والاقتصاد، لا تزال الفجوات قائمة في معدلات الدخل، ونسب السجن، والتمثيل السياسي، والعنف الشرطي.
إن سيرة جيسي جاكسون تختزل مسارًا طويلًا من التحدي والمثابرة. من شوارع الاعتصامات في الستينيات إلى منصات الترشح للرئاسة، ظل صوته حاضرًا دفاعًا عن المهمشين. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل نجحت أمريكا فعلًا في طي صفحة العنصرية، أم أنها ما تزال تخوض صراعًا مستمرًا مع تاريخها؟
ما بين مجرفة حملها طفل فقير في الجنوب، وصناديق اقتراع حلم بتغييرها، يمتد خيط نضال لم ينقطع. وربما لا يزال المشهد الأمريكي بحاجة إلى استعادة ذلك النفس الطويل الذي ميّز جيل الحقوق المدنية، كي تتحول المساواة من نص قانوني إلى واقع يومي ملموس. (الأنباء الليبية) س خ.