بنغازي 27 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – أقر البرلمان الفرنسي مؤخرا، في خطوة ووصفت ب “الجريئة” لمواجهة التحديات الرقمية التي تهدد صحة الأطفال النفسية وتنميتهم الاجتماعية، مشروع قانون يقضي بحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على القاصرين دون سن الـ 15 عامًا.
ويهدف القانون إلى تقليص تأثير “الفيضان الرقمي” الذي يعصف بعقول الشباب في كل مكان، ويعرضهم لفيض من المحتوى المتنوع، الذي قد يتراوح بين المعلومات المضللة والمحتوى العنيف، وصولًا إلى الحملات التجارية والسياسية المستهدفة.
ومع انتشار هذه الظاهرة في العديد من دول العالم، يُلاحظ أن الغرب، بقيادة دول مثل فرنسا وأستراليا، بدأ في اتخاذ خطوات ملموسة لحماية الأجيال القادمة من التأثيرات السلبية لهذه “الحروب الرقمية”. وعلى الرغم من أهمية هذه التحركات، تبقى الدول العربية عموما، وليبيا تحديدا، في حالة من الجمود النسبي فيما يتعلق بتطوير حلول تشريعية وتنظيمية، بسبب انقساماتها السياسية وضعف البنية التحتية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، يتساءل متابعون للشأن الليبي هل يمكن لليبيا أن تتبع خطوات الدول الأخرى في حماية أطفالها وشبابها والتصدي لهذه المعضلة في ظل التوجهات العالمية الحديثة؟ وهل يمكن التغلب على التحديات الكبرى التي يفرضها الفضاء الرقمي، خصوصًا في ظل غياب الرقابة الفعالة والحد من تأثير فيضان المعلومات والصورة على الناشئة في العالم، وما هي أبرز الحلول المتوفرة حاليا؟
- فيضان المعلومات: تأثير الكلمة والصورة على عقول الناشئة
في العصر الرقمي، أصبح الشباب والأطفال أكثر عرضة لمحتوى رقمي هائل وغير محكوم. يُلقى هذا المحتوى عليهم فيضان الكلمة والصورة، من خلال تطبيقات الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك” و”تيك توك”، حيث تتنقل المعلومات بسرعة عبر الحدود، لكن من دون ضمانات حقيقية للحفاظ على صحتهم النفسية أو الحفاظ على أفكارهم من الانحراف.
- التأثيرات النفسية على الأطفال والشباب
تُظهر العديد من الدراسات أن الوقت الذي يقضيه الشباب أمام الشاشات قد يتسبب في مجموعة من المشاكل النفسية، منها الاكتئاب والقلق الناتج عن المقارنات الاجتماعية المتواصلة مع الآخرين، خاصة فيما يتعلق بمظاهر الجمال أو الحياة المثالية التي تعرضها منصات مثل “إنستغرام”، ويُصبح المراهقون والأطفال جراء الإدمان الرقمي غير قادرين على التحكم في استخدامهم للإنترنت، ما يؤثر على حياتهم اليومية ودراستهم.
- التوجهات التجارية والسياسية
من خلال متابعة الفضاء الرقمي يُلاحظ أن الشركات الكبرى تضع الكثير من الجهد في تصميم خوارزميات تجذب المستخدمين وتبقيهم مستمرين في استخدام المنصات، وهذه الخوارزميات تستهدف مجموعات معينة، مثل الأطفال أو المراهقين، بهدف زيادة التفاعل مع الإعلانات أو المحتوى المدفوع وهذا النوع من الضخ الإعلامي قد يتسبب في توجيه الرأي العام أو حتى التلاعب بالأفكار.
- البرلمان الفرنسي: خطوة نحو الحماية الرقمية
وأمام هذا التحدي وانعكاساته الخطيرة على المراهقين والأطفال تحديدا، تأتي الخطوة “المهمة والشجاعة” من البرلمان الفرنسي لتبني مشروع قانون يسعى إلى حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للقاصرين دون سن الـ 15 عامًا، وهي خطوة يضعها المراقبون في سياق تزايد الوعي حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للأطفال والشباب، خاصة في ظل الزيادة الهائلة في إدمان الإنترنت والتأثيرات النفسية السلبية الناتجة عن الاستخدام المفرط للمنصات الرقمية.
يحظر مشروع القانون في فرنسا الوصول إلى منصات مثل “إنستغرام” و”فيسبوك” لمن هم دون سن 15 عامًا، ويفرض رقابة صارمة على استخدام الإنترنت في المدارس، ويمنع استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس الثانوية. هذه الخطوات تمثل بداية لسياسات تهدف إلى الحفاظ على سلامة الأطفال النفسية والاجتماعية في مواجهة “فيضان المعلومات”.
- تأثير القانون على البلدان الأخرى
الفرنسيون ليسوا وحدهم في هذا المجال، فقد سبقتهم أستراليا، التي فرضت في 2022 قيودًا على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأفراد تحت سن الـ 16 عامًا. الولايات المتحدة أيضًا بدأت تشهد تحركات في بعض الولايات لوضع تشريعات مشابهة، في خطوة لمكافحة الأضرار النفسية والاجتماعية التي يُسببها الاستخدام المفرط للمنصات الرقمية.
- الواقع الليبي: تحديات الوضع الرقمي في ظل الانقسام
في ليبيا، يرى مراقبون ومختصون في الفضاء الرقمي أن الوضع يختلف بشكل كبير. فرغم الحاجة الماسة إلى تشريعات لحماية الأطفال والشباب من المخاطر الرقمية، يشكل الانقسام السياسي ونقص البنية التحتية عائقًا كبيرًا أمام اتخاذ خطوات فعالة. أما الرقابة الأبوية، فهي لا تزال ضئيلة جدًا في العديد من الأسر بسبب غياب المعرفة التقنية والتوعية الرقمية في المجتمع الليبي.
وبخلاف الدول الأوروبية التي بدأت في تطوير سياسات رقابة صارمة على الإنترنت، تعاني ليبيا من غياب سياسات واضحة أو تشريعات قانونية تحمي الأطفال من تأثيرات هذه الحروب الرقمية حيث أصبح الإنترنت في ليبيا ساحة مفتوحة للتلاعب بالعقول وتوجيه المعلومات، ولا يوجد أي إطار قانوني يمكنه تنظيم أو مراقبة هذا الفضاء بشكل فعّال.
في ظل ضعف الرقابة، وقع الشباب الليبي ضحية للكثير من المحتوى المتطرف أو العنيف أو المضلل الذي يساهم في زيادة التوترات المجتمعية. كما أن غياب الرقابة على الإعلانات الرقمية يفتح المجال أمام شركات أو جهات لاستغلال الأطفال والمراهقين في حملات دعائية غير شريفة.
- الحلول الممكنة نحو بيئة رقمية أكثر أمانًا في ليبيا:
ويعتقد هؤلاء المختصون أنه يتعين، لحماية الأطفال والشباب في ليبيا من التأثيرات السلبية للإنترنت، اتخاذ خطوات عملية على المستويين الحكومي والمجتمعي وتبني تشريعات وطنية لحماية الأطفال.
ومن هنا يجب على السلطات الليبية المختصة، تشريعية كانت أو تنفيذية، تبني قوانين تهدف إلى حماية الأطفال من المحتوى الضار، مثل حظر الوصول إلى بعض المنصات للأطفال، وفرض عقوبات على الشركات التي تُروج لمحتوى غير مناسب وهي إجراءات يُمكن استلهامها من دول أخرى.
- التربية الرقمية والتوعية المجتمعية
وفي ذات السياق يجب على المدارس والمؤسسات التعليمية الأخرى في ليبيا أن تتبنى برامج تعليمية رقمية تركز على تعليم الأطفال كيفية التعامل مع الإنترنت بشكل آمن. كما يجب تنظيم حملات توعية للمجتمع عبر وسائل الإعلام الوطنية حول أهمية الرقابة الأبوية وكيفية استخدام أدوات التحكم في الوقت والمحتوى إلى جانب تمكين الأسر الليبية، من خلال دورات في مواقع العمل على سبيل المثال، أو في مؤسسات المجتمع المدني، من الاستفادة من أدوات الرقابة الأبوية المتاحة على الهواتف المحمولة، مثل (كوستوديو وغوغل فاميلي لينك) التي تساعد في مراقبة الوقت الذي يقضيه الأطفال على الإنترنت وتصفية المحتوى الضار.
وفي هذا الصدد يُحذر الخبراء من تجاهل الحاجة الملحة لليبيا لاتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لحماية الناشئة من تأثيرات الإنترنت في الوقت الذي تتجه فيه الكثير من دول العالم، نحو تبني تشريعات جدية، مؤكدين أنه مع زيادة تعرض الأطفال والشباب لمخاطر “الفيضان الرقمي”، يصبح من الضروري أن تتحرك السلطات الليبية والمجتمع المدني معًا لحماية العقول الشابة من التلاعب الرقمي وضمان بيئة آمنة تسهم في بناء جيل قادر على استخدام الإنترنت بشكل مسؤول وآمن. (الأنباء الليبية) س خ.