طرابلس 08 يونيو 2026 (الأنباء الليبية) – يُعد ملف دعم الوقود من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية في ليبيا، نظرا لارتباطه المباشر بمستوى معيشة المواطنين من جهة، وتأثيره الكبير على المالية العامة للدولة من جهة أخرى، وعلى مدى سنوات، تحملت الخزانة العامة مليارات الدنانير لتوفير المحروقات بأسعار مدعومة، بهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين وضمان حصولهم على احتياجاتهم الأساسية من الوقود وغاز الطهي، غير أن الجدل يتجدد بين الحين والآخر حول آليات توزيع هذا الدعم والفئات المستفيدة منه، وما إذا كان يصل بالفعل إلى مستحقيه أم يمتد ليشمل جهات تجارية وصناعية تحقق أرباحا من السوق.
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشأن النفطي والاقتصادي أحمد المسلاتي أن من الضروري التمييز بين الدعم الموجه للمواطن والدعم الذي تستفيد منه الشركات الخاصة مؤكدا أن المواطن البسيط يحتاج إلى البنزين والديزل وغاز الطهي لتلبية احتياجاته اليومية، الأمر الذي يستوجب الحفاظ على هذا الدعم وعدم المساس به بصورة عشوائية.
ويشير المسلاتي إلى أن الشركات والمصانع والأنشطة التجارية التي تستخدم الديزل أو زيت الوقود الثقيل في عملياتها الإنتاجية، ثم تبيع منتجاتها وخدماتها بأسعار تجارية، لا ينبغي أن تستفيد من الوقود المدعوم على حساب المال العام، فالدعم، بحسب رأيه، وُجد لمساندة المواطنين وتحسين قدرتهم المعيشية، وليس لزيادة هوامش أرباح القطاع الخاص.
ويستند الباحث إلى سوابق تنظيمية تؤكد إمكانية الفصل بين الدعم المخصص للمواطن والتسعير التجاري للوقود، مستشهدا بقرار وزير الاقتصاد والصناعة رقم (451) لسنة 2019، الذي حدد سعر مادة الكيروسين للأغراض التجارية والصناعية بمبلغ 850 درهما للتر الواحد، معتبرًا أن ذلك يمثل نموذجا عمليا لإمكانية تطبيق سياسات تسعير مختلفة بحسب طبيعة الاستخدام.
كما يلفت إلى أن المستفيد الأكبر من أسعار الوقود المدعومة ليس بالضرورة المواطن أو صغار التجار، بل قد تكون الشركات الكبرى وكبار التجار الذين يمتلكون القدرة على الحصول على كميات كبيرة من الوقود المدعوم، في حين يضطر العديد من صغار ومتوسطي التجار إلى الشراء من السوق الموازية بأسعار أعلى. ويرى أن اعتماد سعر تجاري واضح ومنظم للوقود المخصص للأنشطة الاقتصادية من شأنه تعزيز العدالة والشفافية بين مختلف الفاعلين في السوق.
وفي هذا الإطار، يعبّر المسلاتي عن تأييده للمقترح الذي طرحه رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسع٧ود سليمان، والقاضي بتسعير زيت الوقود الثقيل والديزل الموجه للقطاع الخاص وفق الأسعار العالمية، معتبرا أن المقترح لا يستهدف المواطن أو المساس بحقوقه، بل يهدف إلى تنظيم بيع الوقود للجهات التجارية والصناعية التي تحقق عوائد مالية من أنشطتها.
ويضيف أن استمرار بيع الوقود لهذه الجهات بأسعار مدعومة يفتح المجال أمام الهدر وسوء الاستخدام، وقد يؤدي إلى توجيه الوقود إلى أغراض غير مخصصة له، فضلا عن الضغط على الإمدادات التي يفترض أن تُعطى الأولوية فيها لقطاعات الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، وزيادة الأعباء المالية التي تتحملها الدولة في بند المحروقات.
ويؤكد الباحث أن الإبقاء على دعم المواطن يمثل أولوية لا خلاف عليها، إلا أن تحويل هذا الدعم إلى منفعة اقتصادية للشركات الخاصة يتعارض مع الهدف الأساسي الذي أُنشئ من أجله.
ومن هذا المنطلق، يدعو إلى دراسة هذا التوجه ودعمه بما يحقق المصلحة العامة، ويحافظ على المال العام، ويحد من استنزاف الموارد الوطنية، ويُسهم في تخفيض فاتورة المحروقات وإعادة توجيه الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.
ويخلص المسلاتي إلى أن تطبيق تسعير تجاري للوقود الموجه للأنشطة الربحية لا يمثل إجراءً ضد القطاع الخاص أو النشاط الاقتصادي، بل خطوة نحو تحقيق قدر أكبر من العدالة بين مختلف المتعاملين في السوق، بحيث لا تستفيد فئة محدودة من الدعم بينما يتحمل الآخرون تكاليف أعلى.
ويؤكد أن جوهر القضية يتمثل في الحفاظ على دعم المواطن الليبي، مع منع تحول الدعم العام إلى أداة لتعظيم أرباح الشركات على حساب خزينة الدولة. (الأنباء الليبية) ص و.
حوار: ساسية اعميد – أميرة التومي