بنغازي 26 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سواء تلك المتعلقة بإمكانية شراء غرينلاند أو السيطرة عليها، أو بتشديد السياسة تجاه إيران، موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي. ورغم اختلاف السياقين جغرافيًا وسياسيًا، يرى مراقبون أن ما يجمع بينهما ليس الحدث في حد ذاته، بل الطريقة التي يُعاد من خلالها تقديم مفاهيم القوة، والتهديد، والسيطرة، باعتبارها خيارات عقلانية أو ضرورية في السياسة الدولية المعاصرة.
وبالفعل بات العالم يُواجه في غرينلاند وإيران، نمطًا تبناه الرئيس ترمب يستند على إعادة تعريف العنف والهيمنة والتهديد بوصفها أفعالًا عقلانية، ضرورية، أو حتى أخلاقية، ما يجعلنا نستخلص أن التفكيك الأخلاقي لا يبدأ بالفعل نفسه، بل حين يصبح التهديد أو السيطرة مقبولًا أو قابلاً للنقاش دون صدمة، وتكمن الخطورة في الطريقة التي نتعلم بها التعايش مع هذه العمليات، بحيث تتحول القرارات التي تمس حياة الشعوب وسيادتها إلى “وجهة نظر” عادية.
ومن هنا يرى المراقبون أن الأزمات السياسية والعسكرية الكبرى لم تعد تُقاس فقط بحجم الدمار أو عدد الضحايا، بل بقدرتها على إعادة تشكيل المعايير الأخلاقية التي تحكم النظام الدولي من صفقات السيطرة على الأراضي إلى التهديدات العسكرية تجاه الدول الأخرى، ليبرز سؤال مركزي: كيف تُعاد صياغة أفعال تمس السيادة والحياة الإنسانية بحيث تصبح مقبولة، أو على الأقل قابلة للنقاش؟ هنا تأتي نظرية التفكيك الأخلاقي لعالم النفس الاجتماعي الكندي الأمريكي، ألبرت باندورا، كإطار تحليلي لفهم هذه العمليات، سواء في الخطاب السياسي أو في القرارات الاستراتيجية الدولية.
-ما هو التفكيك الأخلاقي؟
التفكيك الأخلاقي هو عملية نفسية – اجتماعية تسمح للأفراد والجماعات بتعليق معاييرهم الأخلاقية مؤقتًا عبر إعادة تعريف الأفعال، أو نقل المسؤولية، أو نزع الإنسانية عن الآخرين. الأخلاق لا تُلغى، بل يُعاد توظيفها لتبرير الفعل نفسه، وعندما تتحول هذه الآليات إلى خطاب سياسي وإعلامي ممنهج، عند الرئيس ترمب، يصبح التفكيك الأخلاقي شرطًا لاستمرار السياسات العنيفة دون مقاومة مجتمعية فعّالة.
-السياسة الأميركية: التفكيك قبل الفعل
في غرينلاند، طُرحت فكرة شراء غرينلاند بوصفها “صفقة استراتيجية”، حيث غابت إرادة السكان تمامًا عن النقاش. هذا ليس نزعًا للإنسانية عبر الشيطنة، بل عبر الإلغاء الصامت: البشر لا يُرفضون، بل لا يُذكرون أصلًا. تُختزل الأرض إلى موقع، والجغرافيا إلى سلعة، فتسقط الأسئلة الأخلاقية تلقائيًا. هنا يصبح التفكيك الأخلاقي أداة لفهم كيف يمكن إعادة تعريف السيطرة على الموارد والمواقع الاستراتيجية بوصفها مسألة عقلانية أو مقبولة أخلاقيًا.
-إيران: التهديد كهوية كاملة
أما في الحالة الإيرانية، فيُلاحظ نمط مختلف من التفكيك الأخلاقي. فغالبًا ما يُختزل مجتمع كامل في توصيفات مثل “نظام مارق” أو “تهديد وجودي”، ما يفتح المجال أخلاقيًا لتقبّل سياسات العقوبات الشاملة أو التهديد باستخدام القوة العسكرية.
وبحسب محللين، تعمل هنا آلية نزع الإنسانية بكفاءة، من خلال تحويل ملايين البشر إلى كيان مجرد يُنظر إليه بوصفه مشكلة أمنية يجب احتواؤها أو إزالتها، لا مجتمعًا ستطالُه تبعات خطيرة لهذه السياسات بشكل مباشر.
-خطاب مباشر… ووظيفة واحدة
اللافت في الخطاب السياسي لترمب، وفق متابعين، أنه لا يعتمد دائمًا على التلطيف اللغوي التقليدي. لغته غالبًا مباشرة، حادة، وأحيانًا ذات طابع تجاري. إلا أن هذا الأسلوب لا يلغي التفكيك الأخلاقي، بل يعيد تشكيله.
فالقوة تُقدَّم بوصفها “ذكاءً سياسيًا”، والتهديد كدليل حزم، والهيمنة باعتبارها واقعية سياسية. وبدل تجميل العنف، يجري تطبيعه ضمن منطق “الصفقات”، حيث تُقاس الأفعال بجدواها لا بتكلفتها الإنسانية.
-تشتيت المسؤولية وازدواج المعايير
في هذا الإطار، تتوزع المسؤولية السياسية على نحو يجعل من الصعب تحديد الفاعل الأخلاقي المباشر. فالقادة يشيرون إلى المؤسسات، والمؤسسات إلى الضرورات الأمنية، والحلفاء إلى التزامات التحالفات الدولية. ويتعزز هذا المسار بازدواج المعايير، حيث يُدان الفعل أو يُبرَّر تبعًا لهوية من يقوم به، لا لطبيعته أو أثره.
ويرى محللون أنه رغم أن التحليل التفصيلي هنا يركز على غرينلاند وإيران، يمكن ملاحظة أن آليات التفكيك الأخلاقي نفسها تتكرر في مناطق مشتعلة أخرى، مثل غزة والضفة الغربية. هناك أيضًا يُعاد تعريف العنف والتهديد في سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياتهو، بطريقة تسمح باستمراره، ويُكرر نزع الإنسانية والتبرير السياسي للإجراءات العنيفة، ما يعكس صفة عامة لهذه العمليات النفسية – السياسية على مستوى الصراعات الدولية.
في ظل هذا المشهد، يبرز سؤال أوسع حول مستقبل المعايير الأخلاقية في النظام الدولي: كيف تتحول أفعال كانت تُعدّ في السابق خرقًا واضحًا للمبادئ الأساسية، إلى خيارات سياسية قابلة للنقاش؟ وهل أصبح التحدي الحقيقي لا يكمن في العنف نفسه، بل في اعتياد الخطاب الذي يبرّره؟ (الأنباء الليبية) س خ.