بنغازي 24 ديسمبر 2026 (الأنباء الليبية) – لم يكن نهائي كأس الأمم الأفريقية 2025، الذي احتضنته الرباط وانتهى مساء الأحد الماضي بتتويج السنغال على حساب المغرب بهدف دون رد، مجرد مباراة حاسمة في مسار بطولة قارية، بل تحوّل سريعًا إلى حدث إقليمي مثير للجدل، فجّر نقاشات إعلامية وسياسية عميقة، وأعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا-متجددًا: هل كرة القدم في أفريقيا رياضة فقط، أم مرآة تعكس توازنات وهواجس أوسع؟
مباراة مثيرة وجدَلٌ مفتوح
أُقيم النهائي في أجواء تنظيمية كبيرة، عكست رهان المغرب على تقديم نسخة غير مسبوقة لعرس كرة القدم الأفريقية، وهكذا كان الأمر. غير أن مجريات اللقاء، خصوصًا بعض القرارات التحكيمية المصيرية، فجّرت جدلًا واسعًا عقب صافرة النهاية. وبينما احتفلت السنغال بلقبها الأفريقي، انفتح في المقابل نقاش حاد في وسائل الإعلام حول عدالة التحكيم، وأداء الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف)، وحدود المقبول في المباريات النهائية.
الإعلام المغربي: خيبة أمل وأسئلة مؤسسية
في المغرب، هيمنت نبرة خيبة الأمل على التغطية الإعلامية، خاصة في الساعات الأولى التي تلت المباراة. عدد من الصحف والمواقع الإخبارية ركّز على “ضياع حلم التتويج” داخل الديار، معتبرًا أن المنتخب المغربي كان قريبًا من اللقب، قبل أن تحسم تفاصيل دقيقة النتيجة لصالح السنغال.
في المقابل، لم تخلُ التغطية من طابع نقدي موجّه للمؤسسات أكثر من كونه موجّهًا للخصم. فقد ركّزت تحليلات عديدة على أداء التحكيم، واختيارات الكاف، ومعايير الشفافية في المباريات الكبرى، مع تحذيرات من الانزلاق نحو خطاب شعبوي أو عدائي تجاه السنغال. بعض المنابر ذهبت أبعد من ذلك، داعية إلى “تحصين النقاش الرياضي” وعدم تحويل الخسارة إلى أزمة دبلوماسية، بالنظر إلى متانة العلاقات التاريخية بين الرباط وداكار.
كما برزت في الإعلام المغربي مقالات تحذّر من انتشار الشائعات وخطاب الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي، معتبرة أن أخطر ما في المباراة لم يكن نتيجتها، بل ما أعقبها من استقطاب عاطفي حاد.
الإعلام السنغالي: احتفاء بالإنجاز ودفاع عن الشرعية
في السنغال، جاءت التغطية الإعلامية بنبرة مختلفة تمامًا. فقد تصدّرت عناوين الاحتفاء باللقب صفحات الصحف والمواقع، وجرى تقديم التتويج بوصفه إنجازًا تاريخيًا يؤكد مكانة “أسود التيرانغا” كقوة كروية أفريقية صاعدة.
عدد من المنابر السنغالية ردّ بشكل مباشر على الانتقادات، معتبرًا أن الفوز تحقق بفضل الانضباط والروح القتالية، وليس بسبب قرارات تحكيمية كما يروّج البعض. بعض التعليقات الصحفية ذهبت إلى القول إن المنتخب السنغالي “انتصر رغم أجواء ضاغطة”، في إشارة إلى اللعب خارج الديار وفي ملعب ممتلئ بالجماهير المغربية.
ومع ذلك، لم تغب دعوات التهدئة تمامًا عن الإعلام السنغالي، إذ نُشرت مقالات تؤكد أهمية عدم السماح للخلاف الرياضي بأن يفسد العلاقات مع المغرب، خاصة في ظل التعاون الوثيق بين البلدين في مجالات متعددة.
تباين إعلامي… وانقسام قاري صامت
هذا التباين بين الإعلام المغربي والسنغالي لم يبقَ ثنائيًا فقط، بل انعكس أيضًا في التغطية الأفريقية والعربية الأوسع. فبين من اعتبر النهائي “وصمة جديدة” في سجل التحكيم الأفريقي، ومن رآه مباراة حُسمت بتفاصيلها الطبيعية، برز انقسام غير معلن في الرأي العام القاري، تغذّيه الذاكرة الكروية، وتوازنات النفوذ داخل الكاف، وحساسية الهوية والانتماء.
ورغم تداول حديث عن “تعاطف” بعض الجماهير أو المنابر في دول أفريقية أخرى مع السنغال، فإن ذلك بقي في إطار إعلامي وشعبي، دون أن يرقى إلى مواقف سياسية أو بيانات رسمية.
كرة القدم الأفريقية: أكثر من مجرد لعبة
يكشف هذا النهائي، مرة أخرى، أن كرة القدم في أفريقيا ليست نشاطًا رياضيًا محضًا، بل فضاء تتقاطع فيه السياسة، والهوية، والتاريخ، ومشاعر الكرامة الوطنية. فالمنتخبات لا تمثل ألوانًا فقط، بل تجسّد سرديات وطنية، وتطلعات شعبية، وأحيانًا صراعات مؤجلة.
كما يبرز الحدث هشاشة المنظومة الكروية القارية، حيث تتحول قرارات تحكيمية أو تنظيمية إلى أزمات ثقة، في ظل غياب إجماع أفريقي راسخ حول حكامة المؤسسات الرياضية.
ما بعد النهائي: احتواء أم تصعيد؟
حتى الآن، تشير المؤشرات إلى اتجاه نحو الاحتواء، عبر دعوات رسمية وإعلامية للتهدئة، وانتظار قرارات الكاف بشأن ما جرى. غير أن الدرس الأبرز يبقى أن إدارة كرة القدم الأفريقية لم تعد مسألة تقنية فقط، بل باتت شأنًا سياسيًا – رمزيًا يتطلب قدرًا عاليًا من الحكمة والشفافية.
إن نهائي «كان 2025» لم يكن مجرد خسارة أو فوز، بل لحظة كاشفة لطبيعة كرة القدم الأفريقية نفسها. وبين إعلام مغربي مثقل بخيبة الأمل وأسئلة النزاهة، وإعلام سنغالي غارق في نشوة التتويج والدفاع عن الشرعية، تتأكد حقيقة واحدة: في أفريقيا، كرة القدم ليست مجرد لعبة حتى اليوم… بل خطاب، وذاكرة، وصراع رمزي على المكانة والاعتراف. (الأنباء الليبية – بنغازي) ع د / ر ت