بنغازي 24 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – لم تعد مشاهد الدمار في غزة مجرد أخبار عاجلة تتصدر الشاشات، بل تحوّلت إلى اختبار أخلاقي عالمي: كيف يمكن لعنف واسع النطاق وغير مسبوق، يطال المدنيين بشكل مباشر، أن يُبرَّر سياسيًا، ويُدار إعلاميًا، ويُستقبل جماهيريا دون انهيار شامل في الضمير الإنساني؟
للإجابة عن هذا السؤال، تبرز نظرية “التفكيك الأخلاقي” لعالم النفس الاجتماعي، الكندي الأمريكي، ألبرت باندورا، كإطار تحليلي كاشف لما يجري خلف اللغة والخطاب.
- ما هو التفكيك الأخلاقي؟
التفكيك الأخلاقي هو عملية نفسية -اجتماعية تُمكّن الأفراد والجماعات من ارتكاب أو تبرير أفعال تتعارض مع القيم الأخلاقية، دون الشعور بالذنب. لا يحدث ذلك عبر إنكار الأخلاق، بل عبر إعادة تعريف الفعل، أو نقل المسؤولية، أو نزع الإنسانية عن الضحية. وعندما تُفعَّل هذه الآليات على نطاق سياسي وإعلامي، تتحول من سلوك فردي إلى نظام متكامل.
- “الدفاع عن النفس”: التبرير الأعلى
في حالة غزة، يتصدر خطاب “الدفاع عن النفس” المشهد بوصفه المظلة الأخلاقية الكبرى. هذا الخطاب لا يكتفي بتفسير الفعل العسكري، بل يعلّق أي نقاش أخلاقي حول التناسب، وحماية المدنيين، والعقاب الجماعي. وفق باندورا، عندما يُرفع الهدف إلى مستوى “البقاء الوجودي”، تصبح الوسائل محصّنة من المساءلة. هنا لا يُناقَش القصف بوصفه فعلًا أخلاقيًا أو غير أخلاقي، بل كضرورة حتمية.
- نزع الإنسانية: حين يختفي الإنسان من الصورة
أخطر آليات التفكيك الأخلاقي في غزة هي نزع الإنسانية المنهجي. يُختزل المجتمع بأكمله في كيان سياسي أو عسكري، وتُمحى الفروق بين المدني والمقاتل، وبين الطفل والبالغ. اللغة هنا ليست بريئة: “بيئة حاضنة”، “منطقة معادية”، “أهداف مشروعة”. بهذه الصياغات، التي يرددها المسؤولون في الكيان الإسرائيلي وفي واشنطن وعواصم غربية أخرى، يتحول الإنسان إلى مساحة، والبيت إلى موقع، والضحايا إلى أرقام.
يشير باندورا إلى أن العنف يصبح أسهل عندما لا يُرى الضحايا كأفراد لهم أسماء ووجوه. وفي غزة، يتكرس هذا الغياب عبر تغييب القصص الإنسانية، أو التشكيك المسبق فيها، أو ربطها بشرط سياسي حتى تستحق التعاطف.
- التلطيف اللغوي: غسل العنف بالكلمات
يلعب التلطيف اللغوي دورًا محوريًا في إدارة المشهد. تُستبدل كلمات مثل “قتل” و”تدمير” بمصطلحات تقنية: “أضرار جانبية”، “عمليات دقيقة”، “استهداف نوعي”. هذا التحويل لا يغيّر الواقع، لكنه يغيّر استقبال الجمهور له. فبدل أن يُطرح السؤال: “هل ما يحدث خطأ”؟ يصبح السؤال: “هل العملية ناجحة”؟.
الإعلام، هنا، لا يكتفي بالنقل، بل يشارك في إعادة إنتاج الفعل ضمن إطار عقلاني بارد، يُجرّده من حمْله الأخلاقي.
- تشتيت المسؤولية: لا أحد مذنب
في منظومة التفكيك الأخلاقي، تتوزع المسؤولية بحيث لا يتحملها أحد. القادة يشيرون إلى المؤسسة العسكرية، والمؤسسة العسكرية تشير إلى التعليمات، والحلفاء يشيرون إلى حق (إسرائيل) في الدفاع عن نفسها. هذا التشتيت يُضعف الإحساس الفردي بالذنب، ويجعل العنف مستمرًا دون كلفة أخلاقية داخلية.
– إلقاء اللوم على الضحية
من أكثر الآليات قسوة تحميل الضحية مسؤولية ما تتعرض له: “كان يمكنهم المغادرة”، “هم من اختاروا هذا الواقع”، “يختبئون بين المدنيين”. بهذه الصيغة، لا يُنزع التعاطف فحسب، بل يُعاد تأطير الألم كعقوبة مستحقة. وهنا، لا يُقتل الإنسان مرتين فقط – مرة بالفعل ومرة بالتبرير- بل تُمحى شرعية حزنه.
- ازدواج المعايير: الأخلاق كتحالف
يتجلى التفكيك الأخلاقي عالميًا عبر ازدواج المعايير. الفعل ذاته يُدان أو يُبرَّر تبعًا لهوية الفاعل لا لطبيعته. هذا لا يفرغ القانون الدولي من مضمونه فحسب، بل يقنع الجمهور بأن الأخلاق ليست مبادئ كونية، بل أدوات سياسية.
غزة لا تكشف فقط عن مأساة إنسانية مستمرة، بل عن انهيار السقف الأخلاقي العالمي حين تُدار الحروب بلغة تُعطّل الضمير. التفكيك الأخلاقي هنا ليس عرضًا جانبيًا، بل شرطًا لاستمرار العنف دون مساءلة.
إن إسقاط نظرية التفكيك الأخلاقي على ما يجري في غزة لا يهدف إلى تبسيط الصراع أو إنكار تعقيده، بل إلى مساءلة الآليات التي تجعل قتل المدنيين قابلًا للنقاش، والتبرير، والتطبيع. ففي اللحظة التي يصبح فيها العنف “وجهة نظر”، تكون الأخلاق قد غادرت المشهد، حتى لو بقيت الكلمات.
- السؤال المشروع: لماذا يفشل الإعلام في كسر التفكيك الأخلاقي؟
يفشل الإعلام في كثير من الأحيان في كسر التفكيك الأخلاقي لأنه يتعامل مع العنف بوصفه مادة خبرية متكررة لا بوصفه صدمة أخلاقية تستدعي التوقف والمساءلة. فالتكرار اليومي لصور الدمار والقتل، دون سياق إنساني عميق أو محاسبة واضحة، يحوّل المأساة إلى مشهد مألوف، ويُدخل المتلقي في حالة من التبلد النفسي بوصفها آلية دفاع غير واعية. ومع الوقت، لا تعود الصورة تُستقبل بوصفها انتهاكًا، بل كجزء من “الروتين الإخباري”، فيضعف الغضب، ويتراجع التعاطف، ويحلّ مكانهما شعور بالعجز أو اللامبالاة. وهكذا، بدل أن تهزّ الصور الضمير، تساهم كثافتها المجردة من المعنى في تطبيع العنف، وتُكمل دائرة التفكيك الأخلاقي بدل كسرها.(الأنباء الليبية) س خ.