بنغازي 18يناير 2026 (الأنباء الليبية) – تشهد ليبيا تناميا ملحوظا في المبادرات الفردية والمشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، في ظل ارتفاع معدلات البطالة واعتماد الاقتصاد بشكل أساسي على قطاع النفط، ما جعل هذه المشاريع تمثل مصدر دخل رئيسيًا لآلاف الأسر ورافدًا مهمًا للنشاط الاقتصادي المحلي.
وتتنوع هذه المبادرات بين مشاريع منزلية، وخدمات توصيل، وورش حرفية وتقنية، يقودها في الغالب شباب ونساء، في محاولة لخلق فرص عمل ذاتية خارج الإطار الوظيفي التقليدي.
-المشاريع الصغيرة واقع اقتصادي متنام
تشير تقديرات اللجنة الاقتصادية لأفريقيا إلى أن غالبية مؤسسات القطاع الخاص في ليبيا تُصنَّف ضمن المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، حيث تعمل بموارد محدودة ولا يتجاوز عدد العاملين فيها خمسة أشخاص، ما يعكس الطابع الفردي والمرن لهذا القطاع.
ويأتي هذا التوجه في ظل بيانات رسمية أظهرت أن معدل البطالة في ليبيا بلغ 18.6% خلال عام 2024، مع وجود نحو 241 ألف شخص يبحثون عن عمل، في حين تصل بطالة الشباب بين 15 و24 عامًا إلى 51.4%، بحسب بيانات منظمة اليونيسف.
-نماذج من المبادرات الفردية
في بنغازي، تعتمد سارة على مشروع منزلي لصناعة الحلويات كمصدر دخل لأسرتها، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. وتقول إن المشروع، رغم بساطته، ساعدها على تحقيق قدر من الاستقرار المالي، رغم التحديات المرتبطة بارتفاع أسعار المواد الخام.
وفي سوق الخضروات، تدير فاطمة مشروعًا لتجهيز وتوصيل الخضروات والفواكه إلى المنازل والمطاعم، مؤكدة أن الالتزام بالمواعيد وانقطاع الكهرباء من أبرز الصعوبات التي تواجه عملها، إلا أن المشروع أصبح مصدر دخل ثابت لعائلتها.
أما علي (24 عاما)، فقد اتجه إلى فتح ورشة صغيرة لصيانة الهواتف المحمولة، مستفيدًا من مهاراته التقنية. ويشير إلى أن المنافسة وارتفاع أسعار قطع الغيار تمثل تحديات مستمرة، لكنه يرى في المشروع فرصة لبناء مستقبل مهني مستقل.
وفي قطاع الخدمات، يعمل حسام (27 عامًا) في توصيل الطلبات باستخدام دراجته، وهي خدمة بدأت كمبادرة فردية وتحولت إلى نشاط أساسي يربط المحال التجارية بالمستهلكين، مع خطط مستقبلية لتوسيع النشاط.
-الاقتصاد الكلي وفرص غير مستغلة
ووفق تقرير مرصد الاقتصاد الليبي الصادر عن البنك الدولي في يونيو 2025، لا يزال الاقتصاد الليبي يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، ما يحد من نمو القطاعات غير النفطية وقدرتها على خلق فرص العمل. ومع ذلك، سجّل النشاط غير النفطي نموًا بنسبة 7.5% خلال عام 2024، وهو ما يشير إلى وجود فرص واعدة يمكن استثمارها لدعم المبادرات الفردية والمشاريع الصغيرة.
-رأي أكاديمي
في هذا السياق، قالت مديرة مركز الريادة والابتكار بجامعة بنغازي أمل الشريف، إن المشاريع الصغيرة والمبادرات الفردية في ليبيا «ناجحة على مستوى الفكرة والتنفيذ، لكنها تعمل في بيئة غير مواتية».
وأوضحت الشريف أن أبرز التحديات تتمثل في ضعف التمويل المصرفي واشتراط الضمانات العينية، ما يدفع رواد الأعمال إلى الاعتماد على مدخراتهم الشخصية أو القروض العائلية. كما أشارت إلى أن تقلبات سعر الصرف تؤثر بشكل مباشر على كلفة المواد الخام، وتضع أصحاب المشاريع في مواجهة ضغوط إضافية من المستهلكين.
وأضافت أن هذه المشاريع تتميز بدرجة عالية من الالتزام الاجتماعي، حيث يفضل العديد من أصحابها تشغيل العمالة المحلية رغم ارتفاع تكلفتها، داعية إلى إنشاء صندوق وطني لرواد الأعمال لتسهيل الإجراءات القانونية وحماية الأفكار التجارية.
-دور اجتماعي واقتصادي
يرى مختصون أن المشاريع الفردية تسهم في تحسين دخل الأسر وتخفيف حدة البطالة، ولو بشكل نسبي، من خلال تشغيل أفراد الأسرة أو عمالة شابة وطلبة، خاصة خلال فترات العمل الموسمي أو الجزئي.
وفي ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، باتت هذه المبادرات تمثل أحد المسارات العملية لدعم الاستقرار المعيشي، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة الدولة على توفير بيئة تشريعية وتمويلية قادرة على تحويل هذا النشاط الفردي إلى مسار مستدام للاقتصاد الوطني. (الأنباء الليبية) س خ.
– إعداد: هدى الشيخي
