طرابلس 06 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – بحث الملتقى الأول لمسؤولي التدريب في المؤسسات الليبية، الذي احتضنته العاصمة طرابلس اليوم الثلاثاء، سبل تطوير منظومة التدريب في القطاع العام، والارتقاء بكفاءة المدربين الوطنيين، بما يواكب متطلبات الإدارة الحديثة.
وناقش الملتقى الذي نظمه المعهد الوطني للإدراة بحضور لفيف من مسؤولي التدريب من مختلف القطاعات، التحديات الراهنة للعملية التدريبية، واستعرض ملامح الخطة التدريبية للعام 2026، مع التركيز على تعزيز التكامل بين المؤسسات وتحسين جودة مخرجات التدريب.
يواجه قطاع التدريب في ليبيا تحديات متراكمة باتت تشكّل عائقًا حقيقيًا أمام بناء كوادر وطنية قادرة على تلبية احتياجات سوق العمل والمساهمة في جهود التنمية، وسط شكاوى متزايدة من ضعف المخرجات وهدر الموارد وغياب التخطيط الاستراتيجي.
ويجمع مختصون على أن نقص المدربين المحليين المؤهلين يُعد من أبرز الإشكاليات التي تعاني منها منظومة التدريب، لا سيما في المجالات التقنية والتخصصية الحديثة، وهو ما انعكس سلبًا على جودة البرامج التدريبية المقدمة داخل البلاد.
وفي هذا السياق، أكد رئيس مجلس إدارة المعهد الوطني للإدارة، في تصريح لوكالة الأنباء الليبية (وال)، أن إصلاح منظومة التدريب لم يعد خيارًا مؤجلاً، بل ضرورة وطنية تفرضها متطلبات المرحلة، مشددًا على أن بناء القدرات البشرية يمثل حجر الأساس لأي إصلاح إداري أو تنموي حقيقي، وأن جودة التدريب هي المدخل الطبيعي لتحسين الأداء المؤسسي في الدولة.
وفي مقابل ضعف التدريب المحلي، اتجهت العديد من المؤسسات العامة والخاصة إلى التوسع في إرسال موظفيها إلى دورات تدريبية خارج ليبيا، إلا أن تقارير غير رسمية تشير إلى أن جزءًا من هذه الدورات يفتقر إلى الجدية أو المردود العملي، الأمر الذي أدى إلى هدر مالي دون تحقيق أثر ملموس على الأداء الوظيفي أو المؤسسي.
ويرى خبراء أن غياب معايير واضحة لاختيار المتدربين والجهات التدريبية في الخارج ساهم في تفاقم هذه الظاهرة، إضافة إلى ضعف المتابعة وغياب إلزام المتدربين بنقل المعرفة بعد عودتهم.
على الصعيد المحلي، تعاني العديد من مراكز التدريب من ضعف البنية التحتية، وقِدم التجهيزات، إلى جانب مناهج تدريبية لا تواكب متطلبات سوق العمل ولا التطورات التكنولوجية المتسارعة، ما يجعل التدريب في كثير من الأحيان أقرب إلى إجراء شكلي منه إلى أداة فاعلة لبناء القدرات. كما يفتقر القطاع إلى آليات تقييم واضحة تقيس جودة البرامج التدريبية وأثرها الفعلي على المتدربين، وهو ما يصعّب عملية تطوير الأداء وتحسين النتائج.
ولا تقتصر آثار ضعف منظومة التدريب على الجانب المهني فحسب، بل تمتد لتشمل انخفاض كفاءة القوى العاملة الوطنية، وزيادة الاعتماد على الخبرات الأجنبية، واتساع الفجوة بين مخرجات التدريب واحتياجات سوق العمل، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الأداء المؤسسي والاقتصادي بشكل عام.
وتحدث نائب المدير التنفيذي لمركز وكالة الأنباء الليبية (وال) للتدريب والتطوير، علي الدلالي، في الجلسة الحوارية للملتقى، عن نقص التجهيزات الحديثة وقدم المناهج في مراكز التدريب إلى جانب غياب الربط بين المحتوى التدريبي واحتياجات سوق العمل الفعلية.
وشدد على أن التدريب المحلي، وخاصة البرامج التي يشرف عليها المعهد الوطني للإدارة يبقى الأفضل، قياسا بما يتم عرضه في السوق الليبي من برامج تدريب قد تكون وهمية، ويشوبها الفساد، داعيا إلى أهمية وضع استراتيجية وطنية موحدة للتدريب وبناء القدرات وتطوير المهارات.
ويشير متابعون إلى أن جزءًا من أزمة التدريب في ليبيا يعود إلى مقاومة ما يُعرف بـ “الحرس القديم” داخل بعض المؤسسات لفكرة التدريب والتطوير، حيث ما تزال بعض القيادات تنظر إلى التدريب باعتباره عبئًا ماليًا، لا استثمارًا في تحسين الأداء وبناء الكفاءات.
وفي هذا السياق، تتكرر شكاوى من قيام بعض المسؤولين بإعادة توجيه الميزانيات المحدودة المخصصة للتدريب إلى أبواب إنفاق أخرى، غالبًا ما تكون ذات مردود ضعيف أو بلا أثر تنموي حقيقي، الأمر الذي ساهم في إفراغ التدريب من مضمونه وتعطيل أي جهود جادة لتطوير الموارد البشرية.
ويرى مختصون أن هذا النهج يعكس غياب الوعي بأهمية التدريب كأداة إصلاح مؤسسي، ويؤكد الحاجة إلى رقابة أوضح وربط الصرف بتحقيق نتائج قابلة للقياس.
في هذا السياق، تتعالى الأصوات المطالبة بضرورة إعادة النظر في سياسات التدريب المعتمدة، والتركيز على تطوير التدريب المحلي كخيار استراتيجي، من خلال تحديث المراكز، وتأهيل المدربين، واعتماد معايير جودة واضحة.
كما يدعو مختصون إلى قصر فرص التدريب الخارجي على العناصر المتفوقة فقط، وفق معايير شفافة، وبما يضمن نقل المعرفة وتوطينها داخل ليبيا، بدل الاكتفاء بالمشاركة الشكلية في الدورات.
ويرى مراقبون أن إصلاح قطاع التدريب في ليبيا يتطلب استراتيجية وطنية موحدة، تقوم على الربط بين التعليم والتدريب وسوق العمل، وتعزيز الشراكات مع مؤسسات تدريب إقليمية ودولية ذات سمعة جيدة، إلى جانب تفعيل المتابعة والتقييم وربط التدريب بتحسين الأداء والترقية الوظيفية.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والمؤسسية التي تمر بها البلاد، يبقى تطوير منظومة التدريب أحد المفاتيح الأساسية للاستثمار في الإنسان الليبي، وبناء قدرات قادرة على المساهمة في استقرار الدولة وتحقيق التنمية المستدامة. (الأنباء الليبية) س خ.
- متابعة: ساسية اعميد – زهرة الفيتوري
- حوار: محمد الزرقاني