بنغازي 06 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – شهدت شوارع عدد من المدن الليبية في الآونة الأخيرة انتشارًا لافتًا لأطفال صغار يحملون باقات من الزهور، يفترشون الأرصفة ويطرقون نوافذ السيارات عند الإشارات الضوئية، أو يتجولون بين المقاهي والمطاعم.
هذا المشهد، الذي أصبح مألوفًا، يثير قلقًا متزايدًا وتساؤلات حول أبعاد هذه الظاهرة الاجتماعية المتنامية، وما تحمله من تداعيات إنسانية واقتصادية وتربوية خطيرة.
رؤية اجتماعية: أسباب متداخلة
وأوضح الأخصائي الاجتماعي والنفسي خالد عطية أن ظاهرة عمالة الأطفال، حتى وإن جاءت تحت مسمى “بيع الزهور”، تعكس تداخل عدة عوامل أبرزها تدهور الأوضاع الاقتصادية، والتسرب المدرسي، وضعف الرقابة الأسرية.
وأكد عطية أن العمل المبكر “يحرم الطفل من أبسط حقوقه النفسية والتعليمية ويؤثر سلبًا على نموه السوي مهما كانت طبيعة هذا العمل.”
وأشار أحد المعلمين إلى أن عددًا من هؤلاء الأطفال هم تلاميذ منقطعون عن الدراسة، موضحًا أن المدرسة “فقدت دورها الجاذب في ظل الظروف الحالية، ما جعل الشارع بديلًا قاسيًا لطفولة مهدرة.”
آثار نفسية تتجاوز الظاهر
وحذّر عطية من الآثار النفسية الخطيرة لعمالة الأطفال على المدى القصير والطويل، موضحًا أنها قد تؤدي إلى اضطرابات نفسية وعصبية، والشعور الدائم بعدم الأمان والخوف والقلق، إضافة إلى ضعف النمو العقلي والجسدي، وعقدة النقص، وتدني التحصيل الدراسي، وصولًا إلى التسرب من التعليم.
كما أن اختلاط الأطفال بأشخاص أكبر سنًا يعرّضهم لمخاطر جسيمة تشمل التنمر والسخرية، والتحرش والاختطاف، والاستغلال من قبل عصابات منظمة، والانجرار إلى السرقة أو تعاطي وترويج المخدرات والخمور.
وأكد عطية: “بيع الزهور لم يكن يومًا وسيلة لتخفيف الضغط النفسي أو الجسدي على الطفل، بل هو سلوك غير سوي ذو آثار نفسية مدمرة. أنا كأخصائي نفسي أرفض عمالة الأطفال رفضًا قاطعًا.”
وأشار عطية إلى أن الأسرة تظل خط الدفاع الأول عن الطفل، مشيرًا إلى أن الخلافات الأسرية والانفصال، ورفاق السوء، إضافة إلى استغلال بعض المجموعات للأطفال، تسهم في دفعهم إلى الشارع وتحويلهم إلى أدوات لجني المال أو تنفيذ أنشطة غير مشروعة.
وشدد على أهمية تفعيل دور مؤسسات الرعاية الاجتماعية، من خلال دعم الأسر المحتاجة اقتصاديًا، وإطلاق حملات توعوية حول مخاطر عمالة الأطفال، وإعادة دمج المتسربين في التعليم، وتشديد الرقابة القانونية على كل من يستغل الأطفال.
الأطفال والظواهر السلبية
وأكد عطية أن الهدف لا يتمثل في الوصول إلى مرحلة إيواء الأطفال داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وإنما في العمل الجاد على إصلاح المجتمع ومعالجة مشكلاته من جذورها، من خلال الوقوف على الأسباب الحقيقية التي تقف وراء انتشار مثل هذه الظواهر الخطيرة والحساسة، لاسيما تلك المتعلقة بالأطفال والجرائم التي يتعرضون لها، والتي يكون مرتكبوها ـ للأسف ـ في بعض الحالات من ذويهم، سواء الآباء أو الأمهات، مشيرًا إلى وجود العديد من الأمثلة التي تم تناولها سابقًا.
وأوضح عطية أن السعي ينصب على إيجاد حلول واقعية وعملية، وليس الاكتفاء بترديد أو تدوين عبارات تبريرية لا تسهم في معالجة ما يشهده المجتمع الليبي من ظواهر سلبية متنامية.
وأشار إلى وجود قصور واضح في أداء المؤسسات الاجتماعية، وعلى رأسها وزارة الشؤون الاجتماعية، وما يتبعها من مؤسسات ومراكز، إضافة إلى ضعف دور الأخصائيين والأخصائيات في الجانبين النفسي والاجتماعي، معتبرًا أن هذا القصور أسهم بشكل مباشر في تفاقم هذه الظواهر الخطيرة وظهورها إلى العلن، حتى باتت مشاهد مألوفة لدى المجتمع، سواء عبر المشاهدة أو السماع.
وحذّر الأخصائي الاجتماعي والنفسي بشدة من خطورة استمرار هذه الأوضاع، مؤكدًا أنه في حال عدم معالجة الأسباب الحقيقية لهذه الظواهر والسلوكيات المنحرفة، فإن المجتمع الليبي مهدد بالوقوع في دائرة الخطر النفسي والاجتماعي على مختلف مستوياته ومكوناته.
أراء حول بيع الزهور في الشوارع
تتباين آراء المواطنين حول شراء الزهور من الأطفال، فبينما يراه البعض دعمًا مؤقتًا بدافع إنساني، يرى آخرون أن هذا السلوك يكرّس الظاهرة ويشجع على استمرارها، بدل التوجه نحو حلول مؤسسية حقيقية تعالج الأسباب لا النتائج.
يقول محمد، موظف، في حديثه لوكالة الأنباء الليبية: “المنظر مؤلم للغاية، طفل في عمر الدراسة من المفترض أن يكون داخل الفصل لا في الشارع. شراء الورود منهم قد يكون تعاطفًا إنسانيًا لكنه لا يعالج المشكلة من جذورها.”
أما فاطمة، ربة منزل، فترى أن الوضع المادي المتدني هو الدافع الأساسي وراء هذه الظاهرة، لكنها تحذر من تبعاتها قائلة: “قد تضطر بعض العائلات إلى دفع أطفالها للعمل بسبب الحاجة، لكن وجودهم في الشارع يعرّضهم لمخاطر كبيرة تبدأ بالاستغلال وقد تنتهي بالانحراف.”
تظل ظاهرة أطفال الشوارع بائعي الزهور جرس إنذار اجتماعي يستدعي تدخلًا عاجلًا وجادًا من الجهات المعنية، فخلف كل وردة تُباع، حكاية طفل حُرم من طفولته، وبين التعاطف الفردي والحلول الجذرية، تبقى المسؤولية جماعية لحماية الطفولة وصون كرامتها. (الأنباء الليبية) ك و
متابعة: حنان الحوتي