طرابلس 04 يناير 2026 (الأنباء الليبية) – في ليبيا، لم يعد الفرح مجرد طقس اجتماعي، بل تحول إلى مقامرة بالحياة؛ إذ لم تعد بنادق الكلاشنكوف ومدافع الميم طاء البدائل الوحيدة للشماريخ والألعاب النارية، فقد دخلت على الخط مضادات الطائرات وقذائف الـ ‘آر بي جي’. وفي الأفراح بات الليبيون يترقبون الموت، أكثر ترقبهم له في الاشتباكات المسلحة.
في بلد تتشر فيه الأسلحة وتنعدم فيه سلطة المؤسسات، تبرز الرماية العشوائية في الأفراح كأبشع تجليات انهيار منظومة الضبط الاجتماعي، إذ لم يعد رصاص الفرح تعبيرا عن بهجة، بل إعلانا صريحا عن غياب الدولة وسيادة قانون البندقية، وهو ما يضعنا أمام انتهاكٍ صارخ لأقدس الحقوق البشرية؛ الحق في العيش بسلامة جسدية وأمان.
–السخرية بدل القانون
في وقت كان ينتظر فيه الشارع الليبي إجراءات أمنية حازمة، اكتفى رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة بوصف مطلقي النار بـ ‘الشلافطية’، في إشارة رآها مراقبون محاولة لسحب الغطاء الاجتماعي عن الظاهرة، بينما رآها آخرون اعترافا ضمنيا بالعجز عن المواجهة الخشنة مع حاملي السلاح.
يمكن قراءة التصريح بوصفه تجليا للعجز التنفيذي. فحينما تكتفي أعلى سلطة في الدولة بوصف الجاني بـ “الشلافطي” بدلا من وصفه بـ “المجرم” أو “الخارج عن القانون”، فإنها تنقل القضية من مربع الجريمة والعقاب إلى مربع النقد الاجتماعي.
هذا التصريح يعكس عدم قدرة الحكومة على بسط سيطرتها الأمنية، فاستعاضت عن قوة القانون بقوة اللسان والسخرية، محاولة سحب الشرعية الاجتماعية (الرجولة) عن مطلقي النار.
سليمان الضاوي وهو تربوي متقاعد علق على حديث رئيس الحكومة بالقول إن الكثير ممن يمارسون هذه الرماية هم أفراد يتقاضون رواتبهم من ميزانية الدولة، وتحت مظلة أجهزتها الأمنية، فرئيس الوزراء يصفهم بـ “الشلافطية” والدولة نفسها لم تنزع منهم السلاح ولم تحاسبهم قانونيا.
الضاوي أضاف أن وجود لوحات تحذيرية بارزة في جل صالات الأفراح تحذر من استخدام السلاح، أمر يدعو للحزن، كون أن استخدام السلاح أصبح شيئا أساسيا في المناسبات الاجتماعية. كما يرى الضاوي أن الرماية لم تعد تعبيرا عن الفرح، بل أصبحت رسالة قوة من صاحب المناسبة لجيرانه أو خصومه، ومفادها: “نحن نملك السلاح والنفوذ”.
-أفراح تحت النار
علي حسين وهو موظف في إحدى المصالح الحكومية، وعمل جل شبابه في المؤسسة العسكرية قبل العام 2011، قال إن الرصاص الراجع صار المصطلح الأكثر رعبا في ليبيا؛ حيث يدرك الناس أن كل ما يُطلق للأعلى سيعود حتمًا للأسفل بقوة قاتلة. ويضيف حسين بتهكم السماء لا تمسك الرصاص، رؤوسنا التي تستقبله.
وصف حسين أيضا أفراحا وصلت العبثية فيها إلى مستويات غير مسبوقة، حيث استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة، مثل قاذف الـ ” RPG ” ومضادات الطيران، وقال إن هناك قناعة شعبية بأن أجهزة الدولة تخشى مواجهة أصحاب هذه المناسبات، خاصة إذا كانوا منتمين لتشكيلات مسلحة.
يقول عادل الشامس أنه شهد احتفالا بنجاح ابن إحدى العائلات في الشهادة الثانوية، نصبت فيه مدافع مضادة للطائرات فوق سيارات “تويوتا” وسط حي سكني ضيق.
وكان الاهتزاز الناتج عن الإطلاق يؤدي لتحطم زجاج النوافذ في البيوت المجاورة، ناهيك عن أن هذه القذائف لا تسقط كرصاصة، بل كشظايا متفجرة يمكنها اختراق الصبّة (سقف المنزل) على حد تعبيره.
ويضيف أن حالات نادرة وصادمة سجلت لإطلاق قذائف “آر بي جي” في الهواء. في إحدى الوقائع المتداولة، أطلق شخص قذيفة سقطت على بيت جيرانهم متسببة في كارثة مادية ونفسية، ولولا لطف الله لكانت مجزرة، ويضيف لولا وجود الكثير من هذه المقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل ظهور الذكاء الاصطناعي لقلنا إنها مولدة وليست حقيقية، ويختم الشامس حديثه عن شباب يقومون بنزع صمام الأمان وإلقاء “الرمانات”، في مساحات فارغة بجانب الأفراح كنوع من المتعة.
–العروس الأرملة
في إحدى مدن غرب البلاد أيضا، وبينما كان العريس يهم بالدخول إلى بيته وسط رماية كثيفة من أصدقائه، اخترقت رصاصة طائشة سيارة الزفة لتستقر في رأس العريس أمام عروسه.
تحولت الزغاريد في ثانية واحدة إلى صراخ وعويل، وانتهى العرس في المقبرة بدل بيت الزوجية. ومن أكثر القصص وجعا وتكرارا؛ طفلة صغيرة كانت نائمة في سريرها، سقطت رصاصة “راجع” من نوع (14.5) اخترقت شباك المنزل لتستقر في جسم الطفلة.
بينما في أحد الأفراح، كان المصور يحاول التقاط كادر مميز للعريس وأصدقائه وهم يشهرون أسلحتهم، فخرجت رصاصة “خطأ” من أحد المتحمسين لتستقر في صدر المصور، لتوثق الكاميرا لحظة مقتله بدلا من لحظة الفرح.
سيدة أيضا كانت تتابع زفة تمر بالقرب من بيتها، أصابتها رصاصة طائشة وهي تتابع من الشرفة بالدور الثالث، ماتت أمام أطفالها لمجرد أنها أرادت مشاهدة “فرح” الجيران.
-عرقلة عمل المسعفين
حذر الناطق الرسمي باسم جهاز الإسعاف والطوارئ، أسامة علي، من استمرار ظاهرة إطلاق النار العشوائي في الأفراح، واصفا إياها بسلوكيات مجتمعية تلقي بظلال من الموت على المواطنين، خاصة خارج العاصمة طرابلس. وأكد أن خلف كل رصاصة تُطلق ابتهاجًا، هناك قصة مأساوية محتملة لضحية بريئة كانت بعيدة تماما عن موقع الإطلاق.
واستعرض الناطق باسم الجهاز نماذج مؤلمة لما وصفها بفاتورة الدم، مشيرا إلى فاجعة مدينة جنزور (حوالي 12 كيلومتر غرب العاصمة طرابلس) التي راحت ضحيتها طفلة بريئة برصاصة طائشة، بالإضافة إلى واقعة مدينة الزاوية في نوفمبر الماضي، حيث تسببت شظايا مقذوف سقط بالقرب من أطفال في وفاة طفل وإصابة آخر.
وكشف عن المعاناة الخفية لفرق الإسعاف، مشيرا أن كل ثانية تُفقد في الطريق هي فارق بين الحياة والموت، إلا أن فرق الطوارئ تواجه تحديات جسيمة للوصول إلى المصابين؛ بسبب إغلاق الطرقات بالسيارات المركونة عشوائيا أمام قاعات الأفراح وسط الأحياء السكنية.
وأضاف أن حالة الذعر والتجمهر حول الضحية تعرقل عمل المسعفين وتؤخر تقديم الإسعافات الأولية الضرورية.
وفي شهادة صادمة حول المخاطر المهنية، أوضح علي أن استمرار إطلاق النار حتى بعد وقوع الإصابة يشكل خطرا مباشرا على حياة العناصر الطبية، مما يضطرهم أحيانا للتريث لضمان سلامتهم قبل دخول منطقة الخطر، كما انتقد محاولات البعض إخفاء مصدر الرصاص أو التردد في التبليغ خوفًا من المساءلة القانونية.
واختتم حديثه لنا بالتأكيد على أن القضاء على هذه الظاهرة ليس مسؤولية التشريعات وحدها، بل يتطلب وعيا مجتمعيا شاملا يدرك حرمة الدماء وخطورة السلاح.
بعد أن التقينا الناطق الرسمي باسم جهاز الإسعاف والطوارئ، حاولنا الحصول على أي معلومات أو إحصائيات من مركز طب الطوارئ والدعم، كونه متخصص في عمليات الإسعاف المتعلقة بالاشتباكات المسلحة. ولكننا لم نتلق أي رد.
-محاولات مجتمعية وعجز السلطات
كثيرة هي الوسوم (الهاشتاقات) التي حاولت محاصرة هذه الظاهرة، والتي منها (خلوها فرحة مش جنازة)، ولتي انشترت على وسائل التواصل الاجتماعي، كما عمدت بعض العائلات أثناء توزيع الدعوات على كتابة عبارات على بطاقة الدعوة مثل “يمنع منعا باتا إطلاق الرصاص”، وهي محاولة مجتمعية للحد من كوارث رصاص الأفراح.
– جنازة مؤجلة
أكد نقيب عام نقابة الاختصاصيين الاجتماعيين والنفسيين في ليبيا منصور ضو بشير، أن ظاهرة انتشار السلاح المنفلت والرماية العشوائية في المناسبات الاجتماعية بليبيا تمثل إحدى أخطر الأزمات السلوكية التي تهدد السلم المجتمعي، واصفا إياها بأنها “انعكاس مباشر لانهيار منظومات الضبط وغياب الردع وتطبيع العنف في الوعي المجتمعي”.
وقال بشير: إن هذا السلوك ليس تراثًا أو عادة اجتماعية أصيلة، بل هو “سلوك دخيل” نما في بيئة تراجع فيها دور القانون، حيث تحول السلاح من أداة حماية إلى وسيلة استعراض مشوهة للمكانة والقوة، محذرًا من أن ممارسة هذه الأفعال داخل الأحياء السكنية تحول كل تجمع اجتماعي إلى “ساحة خطر مفتوح”.
وفي معرض تحليله النفسي للدوافع، أشار إلى أن التمسك بالسلاح في الأفراح يرتبط بدوافع مركبة، أبرزها الشعور المزمن بانعدام الأمان، والحاجة المرضية لإثبات الذات، معتبرًا أن نشأة أجيال في بيئة مشبعة بالسلاح أدت إلى “خلل في التصورات الذهنية” باتت معه الرصاصة لغة للتعبير، في انفصال تام عن حجم الخسائر الإنسانية الناتجة عنها.
وشدد نقيب الاختصاصيين على المسؤولية الأخلاقية تجاه الضحايا، مؤكدا بوضوح: “لا كرامة لمجتمع يقبل أن يتحول الفرح فيه إلى جنازة مؤجلة، ومن يطلق الرصاص في الأفراح لا يحتفل، بل يعتدي، ومن يصمت عنه يشاركه الجريمة”. ووصف الظاهرة بأنها فوضى مقنعة تعلن عن غياب المسؤولية لا عن القوة.
وختم نقيب الأخصائيين الاجتماعيين الليبيين حديث إلينا بالدعوة إلى ضرورة مواجهة هذه الأزمة عبر مقاربة شاملة تتجاوز الحل الأمني؛ تبدأ بتفعيل القوانين الرادعة دون انتقائية، وصولا إلى بناء وعي مجتمعي صارم يرفض هذه الممارسات علنيا، بمشاركة مؤسسات التعليم والإعلام والدين، مؤكدا أن الفرح الحقيقي يصان بالحياة، ومن لا يحترم أمان الآخرين لا يملك حق الادعاء بالانتماء.
-جرائم قتل عمد بحق النساء
الناشطة الحقوقية مروة سالم قالت: إن قضية السلاح في ليبيا باتت معضلة حقيقية تتجاوز مفهوم الفوضى إلى مفهوم الاحتكار المسلح، مؤكدة أن القوة الضاربة اليوم هي في يد المجموعات المسلحة وذويهم، حيث بات المجرم يملك ترخيصا لحمل السلاح، بينما يظل المواطن أعزلا أمام خطر الاعتداء.
وانتقدت سالم فشل مبادرات جمع السلاح السابقة، معتبرة أن النتائج كانت كارثية؛ إذ انتهت تلك المبادرات بشرعية المجموعات المسلحة بدلا من انتزاع سلاحها. كما هاجمت قرارات زيادة رواتب منتسبي المجموعات المسلحة بنسبة 150% (تحت بند الشهداء والأحياء)، قائلة: إن هذا الدعم المالي يرسخ سلطة السلاح على حساب أمن المواطن البسيط.
كما كشفت مروة عن زاوية حقوقية صادمة تتعلق بضحايا الرصاص العشوائي من النساء، مشيرة من واقع عملها الحقوقي النسوي إلى أن معظم الحالات التي تُسجل كوفيات برصاص عشوائي للنساء، هي في حقيقتها جرائم قتل عمد، أو قتل أسري ترتكب تحت غطاء الرصاص الطائش لإفلات الجاني من العقاب.
وبنبرة حادة ووجهة نظر غير تقليدية وتصادمية مع الواقع، أعلنت تأييدها لتسليح الشعب، ومنح تراخيص منظمة للمواطنين، مبررة ذلك بضرورة الدفاع عن النفس أمام اعتداءات المجموعات المسلحة التي قد تقتحم البيوت في أي لحظة، مؤكدة أن السلاح في يد المواطن سيخضع للمتابعة، بينما يظل حاليًا أداة بيد الميليشيات فقط.
واختتمت الناشطة الحقوقية تصريحها بالقول: إن الرماية في المناسبات لم تعد عادة متوارثة، بل تحولت إلى طقس ميليشياوي بحت يهدف لاستعراض القوة وفرض السطوة في الفضاء العام، مؤكدة أن السيادة الحقيقية لا تبنى بمنح السلاح لجهة وحرمان المواطن من حق حماية نفسه وأهله.
-معالجة الجريمة بجريمة أخرى
وفي مقابل صوت حقوقي نادى بتسليح المواطن للدفاع عن نفسه، أكد المستشار القانوني لرئيس المؤسسة الوطنية للإعلام عماد غميض أن الدولة الليبية محكومة بأدوات القانون الحديثة، رافضا الطروحات التي تنادي بتعميم تسليح المدنيين كرد فعل على فوضى السلاح.
وأوضح غميض أن القانون الجنائي الليبي وضع ضوابط صارمة وواضحة لحمل السلاح وتملكه، سواء لرجال السلطة العامة أو للأفراد الطبيعيين في حالات محددة وقانونية، مؤكداً أن السلاح ليس مباحًا للناس نظراً لخطورته الفائقة.
وفي رد مباشر على تصريحات الناشطة مروة سالم، اعتبر غميض أن استخدام مصطلحات تدعو الناس لحمل السلاح واستيفاء الحقوق بالذات هو أمر يجافي الواقع، ولا يقدم حلولا فعلية، بل ينذر بتحويل المجتمع إلى غابة (بحسب تعبيره).
وأضاف: إن حدوث فوضى لا يجيز الإفلات من العقاب، والوصف الصحيح للمعضلة الحالية هو قصور أجهزة الدولة المختصة عن بسط سلطان القانون وتنفيذه، فنحن أمام خلل تنفيذي وليس خللاً في المنظومة التشريعية.
وحول وصف المجموعات المسلحة بالميليشيات المشرعة، أوضح المستشار القانوني أن هذه الأجهزة أنشأتها الدولة لاستيعاب حاملي السلاح ووضعهم تحت سلطة القانون، مشددا على أن الجاني جاني والمجرم مجرم، بغض النظر عن صفته أو ترخيصه، ولا تتحمل المؤسسة وزر جناية فردية لمنتسب فيها إذا تمت محاسبته.
كما دافع غميض عن حقوق “الشهداء” وزيادة رواتبهم، معتبرا إياها واجبا مقدسا تجاه من ضحوا من أجل الوطن، مع التأكيد على أن أي تدليس في منح هذه الصفة لغير مستحقيها يعد جريمة مستقلة بحد ذاتها.
واختتم غميض تصريحه بالتشديد على أن رصاص الأفراح يظل فعلا ممنوعا، وجريمة مكتملة الأركان إذا أدت لانتهاك القانون، داعيا الجميع إلى التمسك بالشرعية والعودة لظل القانون بدلا من المطالبة بمعالجة الجريمة بجريمة أخرى، مؤكدا أن حماية المواطن تبدأ من التزامه بالقانون ودعمه للجهات الضبطية المختصة بحماية الأرواح والأموال.
-تهديد للاستقرار المجتمعي
أكد استشاري جراحة العظام، ورئيس المجلس العلمي بمجلس التخصصات الطبية محمد راشد، أن ظاهرة الرمي العشوائي بالسلاح في المناسبات الاجتماعية تجاوزت كونها “سلوكا سلبيا” لتصبح تحديا كبيرا للأمن والسلامة العامة في البلاد، محذرا من أن انتشار السلاح غير المرخص يزيد من أخطار العنف والجريمة ويقوض استقرار المجتمع بشكل مباشر.
وأرجع راشد، تفاقم هذه الظاهرة إلى ثلاثة عوامل رئيسة، هي: ضعف الرقابة والإنفاذ القانوني، وانتشار الفساد في بعض الأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى تداعيات الحروب والصراعات التي أدت إلى تسرب السلاح للمدنيين.
ومن الناحية الطبية، أوضح أن الرمي العشوائي يشكل خطرا جسيما على الأرواح، حيث يتسبب في إصابات بليغة وإعاقات دائمة تؤثر على جودة حياة المصابين، مشيرا إلى أن الخطر يطال الرامي والمحيطين به على حد سواء.
في معرض حديثه عن التداعيات الاقتصادية، أشار إلى أن هذه الممارسة تترتب عليها تكاليف باهظة للدولة والمواطن، سواء في علاج الإصابات المعقدة أو تعويض المتضررين، ناهيك عن أثرها السلبي على مناخ الاستثمار والسياحة في المناطق التي تشهد هذه الفوضى.
وعلى الصعيد الاجتماعي، نبه إلى أن هذه الظاهرة تخلق جوا من الخوف والتوتر الدائم، وقد تؤدي إلى تفكك نسيج الأسرة والمجتمع نتيجة الأزمات النفسية التي تتبع حالات الفقد أو الإصابة.
واختتم حديثه بالدعوة إلى اتخاذ إجراءات صارمة وحاسمة، تبدأ بتطبيق القوانين التي تحظر هذه الممارسة، وصولا إلى دور المجتمع في رفض هذه الثقافة، وتثقيف الأجيال القادمة على مبادئ السلامة والاحترام، مؤكدًا أن المواجهة هي مسؤولية تضامنية بين الجهات المعنية والمواطن.
-السلاح والألعاب النارية في قانون العقوبات
بعد جمع المعلومات من شهود العيان، واستقصاء رأي المتخصصين اتجهنا إلى مدونة التشريعات الليبية، لنجد في قانون العقوبات الليبي جملة من المواد ذات العلاقة بحيازة السلاح دون ترخيص، والرماية العشوائية، واستخدام السلاح في القتل والإيذاء.
حول حيازة وحمل السلاح دون ترخيص ينص قانون العقوبات على عقوبات محددة لتصنيع السلاح أو حيازته أو حمله دون إذن رسمي، إذ تنص المادة (478): يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة والغرامة التي لا تزيد على عشرين دينارا كل من كانت في حيازته أسلحة أو ذخيرة ولم يبلغ السلطات عنها.
أما المادة (480): يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين وغرامة لا تتجاوز خمسين دينارا كل من حمل سلاحا خارج مسكنه أو ملحقاته دون ترخيص.
وفي ظروف التشديد في الحمل، تنص المادة (480): تكون العقوبة الحبس والغرامة التي لا تتجاوز مائة دينار، إذا ارتكب فعل الحمل في مجتمع أو محفل، أو ليلًا في حي مأهول.
كما تعرف المادة (484) الأسلحة كونها: تشمل الأسلحة في حكم القانون الأسلحة النارية، والأدوات المعدة بطبيعتها لإيذاء الأشخاص، والقنابل، والأجهزة التي تحتوي على مواد متفجرة، والغازات الخانقة أو المؤذية.
وتنص المادة (482) يعاقب بغرامة لا تزيد على عشرة دنانير كل من صدر منه فعل من الأفعال الآتية وإن كان مرخصا له في حمل السلاح: تسليم السلاح لصغير دون الرابعة عشرة أو لشخص غير مرخص له بحمل السلاح أو ترك أحد هؤلاء يحمله قصر في حراسة الأسلحة للحيلولة دون أن يحصل عليها بسهولة أحد الأشخاص المذكورين في البند السابق، كذلك حمل بندقية معبأ في مجتمع أو محفل.
وتناولت المادة (المادة 483) الرماية العشوائية والألعاب النارية، حيث نصت: يعاقب بغرامة لا تتجاوز عشرة جنيهات كل من أطلق عيارات نارية أو أشعل ألعابا نارية أو أحدث انفجارات في حي مأهول أو في طريق عام دون ترخيص.
وتناولت المادة (483) الرماية في التجمعات: إذا ارتكب فعل إطلاق النار في مجتمع أو محفل، تكون العقوبة الحبس الذي لا تزيد مدته على شهر.
– صكوك الغفران
أكد الناشط الحقوقي طارق لملموم، أن فوضى الرصاص العشوائي في ليبيا تتغذى بشكل أساسي على الإفلات من العقاب، كاشفا أن نسبة تقديم الجناة للعدالة في حالات الرصاص الطائش تظل محدودة جداً؛ إذ غالبًا ما تُقيد هذه الحوادث ضد مجهول، أو تُعامل كقضايا عرضية بسيطة، خاصة في مناطق نفوذ المجموعات المسلحة.
وانتقد لملموم بشدة دور التسويات القبلية والاجتماعية”، مؤكدًا أنها تُدار خارج مؤسسات العدالة وتؤدي إلى إفراغ القضايا من مضمونها الردعي، موضحا أن هذه المصالحات ترسل رسالة خطيرة مفادها إمكانية إنهاء ملفات القتل بتسويات ودية، مما يشجع حاملي السلاح على الاستمرار في ممارساتهم تحت مظلة “الحصانة المناطقية أو الانتماء لمجموعات نافذة.
وعن صعوبات التوثيق، أشار لملموم إلى وجود عوائق جمة تواجه النشطاء، أبرزها خوف الأهالي من الانتقام، ونقص البيانات الرسمية الموحدة في المستشفيات، بالإضافة إلى ضعف مسار الأدلة الجنائية، وغياب الخبرة المعملية لرفع المقذوفات، مما يؤدي أحيانا لتكييف الحوادث اجتماعيا لتخفيف مسؤولية الفاعل.
وطرح الناشط الحقوقي حزمة مطالب عاجلة، على رأسها سن تجريم مُشدد لإطلاق النار داخل الأحياء يشمل السجن ومصادرة السلاح، وإلزام قاعات الأفراح بإجراءات وقائية صارمة.
كما شدد على ضرورة أن يتبنى المجتمع المدني والخطباء حملات توعية تربط هذا السلوك بالقتل غير العمد، مع التأكيد على قاعدة قانونية ثابتة: “أن الصلح الاجتماعي لا يلغي الحق العام”، وأن حماية الأرواح تبدأ من إخضاع الجميع لسلطان القضاء دون استثناء.
-صوت القانون أعلى من دوي الرصاص
إن الحق في العيش بأمان ليس رفاهية، بل هو أصل الوجود الذي تنتهك حرمته في كل “زفة” تتحول إلى مأتم، وكل احتفال بنجاح يلتهم الأطراف، ويضاعف فاتورة القطاع الصحي، والحل لا يكمن في سخرية المسؤولين، ولا في اعتياد المواطنين على سماع دوي الانفجارات، بل في استعادة قدسية الحياة التي ضاعت بين فوهات البنادق.
يبقى السؤال: إلى متى سنظل ننتظر رصاصة “الراجع” لتحدد مصائر أطفالنا؟ ومتى تنتقل القضية من الإدانة اللفظية إلى المحاسبة القانونية الصارمة، ليدرك كل حمال سلاح أن فرحه الذي يُبنى على رعب الآخرين هو سياق إجرامي لن يمر دون عقاب. إن استعادة السلم الأهلي تبدأ من نقطة واحدة: أن تكون الدولة أقوى من البندقية، وأن يكون صوت القانون أعلى من دوي الرصاص. (الأنباء الليبية) س خ.
- أنجزت هذه المادة الصحفية بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR
– تحقيق: جلال محمد