بنغازي 04 يناير 2025 (الأنباء الليبية) – شكّلت أمريكا اللاتينية منذ خمسينيات القرن العشرين، إحدى الساحات الرئيسية المهمة للسياسة الخارجية الأمريكية.
وتمتلك الولايات المتحدة سجلأ طويلأ من التدخلات السياسية والعسكرية والاقتصادية، في دول أميركا اللاتينية والتي تم تبريرها تحت شعارات ومبررات متغيّرة تنوعت بين حماية أمنها القومي ومكافحة الشيوعية ودعم المعارضة وقوى الديمقراطية وقد كان لهذه التدخلات أثر بالغ في تغيير أنظمة الحكم، وفرض نماذج سياسية واقتصادية تخدم مصالحها الاستراتيجية.
ويعود تاريخ هذه التدخلات المنظمة إلى عام 1954 حيث نفذت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عملية سرية في غواتيمالا أسفرت عن الإطاحة بالرئيس المنتخب ديمقراطيًا، خاكوبو آربينز، بعد شروعه في إصلاحات زراعية مست مصالح شركات أمريكية كبرى، ما اعتبر وقتذاك نقطة تحول مفصلية في السياسة الإمبريالية الأمريكية ضد دول أمريكا اللاتينية. وكانت نتيجة التدخل الأمريكي، إسقاط حكومة منتخبة، وبداية عقود من الحكم العسكري والعنف الأهلي، ما رسّخ نموذج “الانقلاب المدعوم خارجيًا” كأداة سياسية.
وفي ستينيات القرن الماضي وتحديداً في عام (1961) دعمت الولايات المتحدة غزو خليج الخنازير الفاشل لإسقاط حكومة فيدل كاسترو، الذي كشف حدود القوة الأمريكية، إلا أنه دشّن مرحلة طويلة من الحصار والعقوبات والتخريب السياسي.
ووفي عام 1965، شنت الولايات المتحدة الأمريكية تدخلا عسكريا واسعا في جمهورية الدومينيكان لمنع عودة رئيس منتخب إلى الحكم، بذريعة منع “تهديد شيوعي، وهو التدخل الذي كشف أن الديمقراطية لم تكن أولوية، كما تدعي واشنطن، بل الانسجام السياسي مع سياسة الهيمنة الأمريكية.
وفي سبعينيات القرن الماضي، سعت الولايات المتحدة لإسقاط التجارب الديمقراطية اليسارية، حيث عملت من (1970–1973) بعد انتخاب سلفادور أليندي ديمقراطيًا، في تشيلي على خنق اقتصاد البلاد، وتمويل المعارضة، ودعم الجيش وانتهى الأمر بانقلاب دموي قاده الدكتاتور أوغستو بينوشيه وكانت النتيجة، ديكتاتورية استمرت 17 عامًا، وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، في مقابل حماية المصالح الأمريكية.
وفي عام 1971 دعمت الولايات المتحدة انقلابا عسكريا في بوليفيا أطاح بحكومة يسارية، وشنت في ثمانينيات القرن الماضي، حروبا بالوكالة في نيكاراغوا حيث دعمت ميليشيات “الكونترا” لإسقاط حكومة الساندينيستا، في حرب سرية موّلت بطرق غير قانونية. كما قدمت في السلفادور دعما عسكريا وماليا ضخما لحكومة متورطة في مجازر بحق المدنيين، بحجة منع وصول اليسار للحكم. وكانت الحصيلة، عشرات الآلاف من القتلى، وبلدانا منهكة اقتصاديًا واجتماعيًا.
وفي عام 1989 نفذت القوات الأمريكية عملية غزو مباشر في بنما للإطاحة بـالرئيس مانويل نورييغا، الحليف السابق للمخابرات الأمريكية، بعد أن أصبح عبئًا سياسيًا يستدعي إزاحته.
في 2004 مارست واشنطن في هاييتي، ضغوطا سياسية وتدخلات على المستوى الدولي ما أدى إلى إزاحة رئيس منتخب، وإدخال البلاد في دوامة فوضى مزمنة.
ومع حلول القرن الحادي والعشرين انتهجت الولايات المتحدة طرقا وأساليب جديدة لتحقيق أهدافها في الساحة اللاتينية ولجأت الى استخدام العقوبات الاقتصادية والانقلابات الناعمة حيث دعمت عام 2002 في فنزويلا انقلابا فاشلا ضد الرئيس هوغو تشافيز، تلاه حصار اقتصادي وعقوبات خانقة.
وفي عام 2009 دعمت انقلابا على رئيس منتخب في جمهورية الهندوراس وفي عام 2019 تم تفجير أزمة سياسية انتهت بإطاحة الرئيس إيفو موراليس، وسط اتهامات بدعم خارجي أمريكي.
ومع حلول عام 2026 أرسلت الولايات قواتها الجوية والبحرية ونخبة قواتها البرية لضرب فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو في عملية وصفها خبراء دوليون بأنها عملية اختطاف دولي.
ويُظهر هذا السجل التاريخي الدموي على امتداد أكثر من سبعة عقود، أن الولايات المتحدة دعمت أو نفّذت تدخلات أطاحت بحكومات منتخبة، شجّعت أنظمة استبدادية طالما انسجمت مع مصالحها، غيّرت أدواتها من الانقلابات العسكرية إلى العقوبات والضغط السياسي، وكانت الكلفة البشرية والاجتماعية باهظة على شعوب أمريكا اللاتينية.
ورغم تغيّر الخطاب، فإن جوهر السياسة الأمريكية ظل ثابتًا، قائما على منع الاستقلال السياسي والاقتصادي الحقيقي للمنطقة برمتها، والحفاظ على نفوذ أمريكي مهيمن على حساب استقرار وأمن شعوب المنطقة. (الأنباء الليبية) ع د