بنغازي 24 ديسمبر 2025 (الأنباء الليبية) – يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، انسجامًا مع توجه تبنته السياسة الأمريكية خلال العقدين الأخيرين، إلى تعزيز الحضور الأمريكي في قطاع المعادن النادرة بالقارة الإفريقية، نظرًا لأهميتها الاستراتيجية المتزايدة في مجالات التكنولوجيا الحديثة، والتحول نحو الطاقة النظيفة، والصناعات العسكرية والفضائية.
وتتمتع إفريقيا باحتياطات ضخمة من معادن حيوية مثل الليثيوم والكوبالت والنحاس والنيكل والمنغنيز، وهي معادن أساسية لصناعة البطاريات، السيارات الكهربائية، الطاقات المتجددة وأنظمة الاتصالات، ما يجعلها محورًا أساسيًا في حسابات الأمن القومي الأمريكي. وفي هذا الإطار، تعمل واشنطن عبر مؤسساتها المختلفة على مواجهة النفوذ الصيني المتنامي في استخراج وتكرير المعادن وسلاسل التوريد الإفريقية، إضافة إلى الحد من حضور قوى أخرى كروسيا والهند.
وترتكز الاستراتيجية الأمريكية، منذ الولاية الأولى للرئيس ترامب، على توسيع الاستثمارات في قطاع التعدين وتعزيز الشراكات الاقتصادية، مع استمرار قيود غير معلنة تتعلق بنقل التكنولوجيا والتصنيع داخل القارة، بما يضمن للشركات الأمريكية الوصول إلى الموارد الإفريقية دون تمكين حقيقي للتصنيع المحلي.
ورغم غياب أدلة رسمية على ربط مباشر بين المساعدات والمعادن، فإن تصريحات ترامب عكست توجّهًا واضحًا لربط الدعم الخارجي بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأمريكية. ويرى محللون أن الخطاب الأمريكي الذي اتهم بعض الدول الإفريقية بالفساد وسوء الإدارة يُستخدم كأداة ضغط سياسي واقتصادي لإعادة رسم خريطة النفوذ في القارة، في ظل التنافس المتصاعد مع الصين.
وتُعد زامبيا مثالًا بارزًا في هذا السياق، نظرًا لامتلاكها أحد أكبر احتياطات النحاس في العالم واعتمادها في الوقت نفسه على المساعدات الأمريكية في القطاع الصحي، ما منح واشنطن ورقة ضغط مؤثرة، بالتوازي مع استثمارات صينية واسعة في قطاع التعدين ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، (الاستراتيجية الصينية العملاقة لإحياء طريق الحرير القديم وربط الصين بأكثر من 150 دولة عبر شبكات برية بحرية تعزيزا للتجارة والاستثمار).
وفي إطار مقاربة “التجارة لا المعونة”، سعت إدارة ترامب إلى إعادة تشكيل العلاقات الأمريكية -الإفريقية عبر تعزيز الشراكات التجارية والاستثمارية، ورغم دعمها تجديد قانون فرص النمو في إفريقيا، فإن تمديده المؤقت وفرض رسوم جمركية على بعض الصادرات الإفريقية قلّلا من أثره العملي.
كما أولت واشنطن اهتمامًا متزايدًا بربط الموارد الإفريقية بسلاسل الإمداد العالمية من خلال دعم مشاريع بنية تحتية استراتيجية، أبرزها ممر سكك حديد «لوبيتو» الذي يربط مناطق إنتاج المعادن في الكونغو الديمقراطية وزامبيا بموانئ أنغولا على المحيط الأطلسي.
وتندرج هذه التحركات ضمن سياق أوسع من التنافس الأمريكي– الصيني في إفريقيا، حيث تتداخل الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأمنية، خصوصًا في الدول الغنية بالموارد، بهدف توفير بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمار في المعادن الاستراتيجية.
إن هذه السياسات تُعيد إنتاج نمط تاريخي مدمر سلكته الدول الأوروبية الاستعمارية على مدى عقود طويلة في القارة السمراء يُبقي إفريقيا في موقع المورّد للمواد الخام، دون نقل حقيقي للتكنولوجيا أو دعم فعلي للتصنيع المحلي، ما يحدّ من خلق فرص العمل ويُفاقم معدلات الفقر والبطالة، خاصة بين الشباب.
ويدفع هذا الواقع أعدادًا متزايدة من الشباب الأفريقي إلى سلوك مسارات الهجرة غير النظامية، عبر الصحراء الكبرى أولًا ثم البحر الأبيض المتوسط، في رحلات محفوفة بالمخاطر، تنتهي في كثير من الأحيان بفقدان الأرواح في الصحراء أو في عرض البحر، ما يكشف الارتباط المباشر بين السياسات الاقتصادية الدولية وأزمات الهجرة الإنسانية التي تعاني منها عديد الدول في شمال أفريقيا على رأسها ليبيا.
للتذكير فقدت ليبيا بعد 2011 جزءًا كبيرًا من نفوذها واستثماراتها الاستراتيجية في القارة الإفريقية، على الرغم من الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى لإفريقيا، ووفرتها على المعادن الحيوية الضرورية للتحول الرقمي والطاقة النظيفة في القرن الحادي والعشرين.
ويُهدد استمرار الانقسام السياسي الداخلي في البلاد بضياع الاستثمارات الليبية في افريقيا بشكل كامل، فالحالة الراهنة في ليبيا تجعلها غير قادرة على حماية مصالحها الاقتصادية، ما يفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية منافسة للهيمنة على الموارد الإفريقية الحيوية، ويضع مستقبل البلاد على مفترق طرق بين إعادة بناء نفوذها أو فقدانه لصالح أطراف أخرى. (الأنباء الليبية) ع د