طرابلس 17 ديسمبر 2025 (الأنباء الليبية) – يُصادف اليوم العالمي للغة العربية الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، وهو مناسبة تحتفي بها الأمم المتحدة اعترافًا بمكانة اللغة العربية ودورها الحضاري والعلمي والثقافي عبر القرون. فاللغة العربية ليست مجرد أداة تواصل، بل هي وعاء للهوية، وذاكرة للأمة، ولسان حضارة أسهمت في بناء المعرفة الإنسانية عبر العصور في مختلف المجالات.
ورغم هذه المكانة الرفيعة، لاحظ محرر الشؤون الثقافية بوكالة الأنباء الليبية، أن اللغة العربية تُواجه اليوم تحديات كبيرة، تتفاوت حدتها من بلد إلى آخر، ولعل الواقع الليبي يُعد واحدا من أكثر الأمثلة وضوحًا على عمق هذه الأزمة، إذ تبدأ مشاكل اللغة العربية في ليبيا من انهيار المنظومة التعليمية، وضعف المناهج، وتراجع مستوى المعلمين، ما انعكس سلبًا على قدرة الطلبة على القراءة والكتابة والتعبير السليم بلغتهم الأم.
وأضاف المحرر أن هذه الأزمة زادت تعقيدًا مع انتشار الغش في الامتحانات، وتفشي ظاهرة الشهادات المزورة، الأمر الذي أفقد العملية التعليمية مصداقيتها، وأفرز أجيالًا تحمل شهادات رسمية دون امتلاك الحد الأدنى من الكفاءة اللغوية أو العلمية، ولم تعد الأخطاء اللغوية مقتصرة على الطلبة، بل امتدت إلى خريجي الجامعات، وحتى إلى بعض العاملين في المؤسسات الأكاديمية نفسها.
وأشار في هذا السياق إلى أنه من بين الأسباب الجوهرية لتراجع مستوى اللغة العربية في ليبيا عدم تأهيل المعلمين تأهيلًا مهنيًا حقيقيًا، وغياب برامج مستمرة لتطوير مهاراتهم اللغوية والتربوية، ما جعل كثيرًا منهم يفتقر إلى الأدوات اللازمة لتدريس اللغة بصورة صحيحة وجاذبة. ويُضاف إلى ذلك إهمال التركيز على مرحلة التعليم الابتدائي، وهي المرحلة الأهم في بناء الملكة اللغوية لدى الطفل، حيث تتشكل مهارات القراءة والكتابة والنطق السليم.
وأكد أن ضعف التأسيس في هذه المرحلة يرافق المتعلم في جميع المراحل اللاحقة، ولا يمكن تعويضه بسهولة في التعليم الإعدادي أو الجامعي، ما يجعل الأزمة تتراكم عامًا بعد عام، وتتحول إلى خلل بنيوي يصعب علاجه بإجراءات شكلية أو اختبارات لاحقة.
وتطرق المحرر إلى لجوء العديد من المؤسسات الأكاديمية في ليبيا، في محاولة لمعالجة هذا الخلل، إلى اشتراط ما يُعرف بـ “التوفل العربي” لقبول الطلبة في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، وهو اختبار يُفترض أن يقيس كفاءة المتقدمين في اللغة العربية من حيث الفهم والكتابة والتحليل مبينا أنه رغم أهمية هذا الإجراء من حيث المبدأ، إلا أنه يعكس في الوقت ذاته حجم الأزمة، إذ أصبح من غير الممكن افتراض إتقان خريج الجامعة للغته العربية دون اختبار إضافي.
وتابع في هذا الصدد أنه من المعيب والصادم في آنٍ واحد أن تصل الحال في دولة عربية إلى حدّ أن تفرض مؤسساتها الأكاديمية على أبنائها اجتياز اختبار في لغتهم الأم للقبول في الدراسات العليا. فاللغة العربية، التي يفترض أن تكون ركيزة التعليم وأداة البحث العلمي، أصبحت تُعامل وكأنها لغة أجنبية تحتاج إلى شهادة كفاءة لإثبات الإلمام بأساسياتها.
وقال:” إن اشتراط ما يُعرف بـ«التوفل العربي» لا يُعد إنجازًا يُحتفى به، بل هو مؤشر خطير على عمق الخلل في المنظومة التعليمية، ودليل على فشل المراحل التعليمية السابقة في أداء دورها الطبيعي. كما أنه يطرح تساؤلات مؤلمة حول قيمة الشهادات الجامعية نفسها، وحول المسؤولية الأخلاقية والعلمية للمؤسسات التي منحتها دون أن تضمن الحد الأدنى من الكفاءة اللغوية لحامليها”.
ورأى المحرر أنه لمواجهة هذه الأزمة غير المبررة، خاصة في ظل المليارات التي تُنفق سنويًا على قطاع التعليم في ليبيا دون نتائج ملموسة، تبرز الحاجة إلى حلول جذرية لا شكلية، ويأتي في مقدمة هذه الحلول تطوير البرامج التعليمية والمناهج بما يركز على بناء المهارات اللغوية الأساسية، لا على الحفظ والتلقين، مع تحديث محتواها وأساليب عرضها بما يتلاءم مع قدرات المتعلمين واحتياجات العصر، مشددا على أن تطوير مهارات المعلمين يُعد حجر الزاوية في أي إصلاح حقيقي، وذلك من خلال برامج تدريب إلزامية ومستدامة، تشمل الكفاءة اللغوية، وطرائق التدريس الحديثة، وأساليب التقويم العادل، وربط الترقية الوظيفية بالأداء والكفاءة لا بالأقدمية وحدها.
وإلى جانب ذلك، يُضيف المحرر، لا بد من إعادة الاعتبار لمرحلة التعليم الابتدائي باعتبارها الأساس الذي تُبنى عليه جميع المراحل اللاحقة، عبر تقليل كثافة الفصول، وتوفير معلمين متخصصين في اللغة العربية، واعتماد برامج للقراءة المبكرة، ومتابعة دقيقة لمستوى التلاميذ منذ السنوات الأولى. كما تشمل الحلول الضرورية مكافحة الغش والتزوير بصرامة، وتفعيل الرقابة على المؤسسات التعليمية، وضمان النزاهة في الامتحانات ومنح الشهادات، حتى تستعيد الشهادة التعليمية قيمتها العلمية والمعنوية.
وشدد على أن إصلاح واقع اللغة العربية في ليبيا ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب إرادة سياسية وتعليمية حقيقية، وحسن إدارة للموارد المالية المتاحة، وتوجيهها نحو بناء الإنسان قبل المباني، لأن اللغة ليست أزمة تعليمية فحسب، بل قضية هوية ومستقبل.
ورأى المحرر في سياق متصل أنه من المظاهر المقلقة التي تهدد مستقبل اللغة العربية، سعيُ بعض الجهات في عدد من الدول العربية إلى إحلال اللهجات المحلية محل اللغة العربية الفصحى في التعليم والإعلام والفضاء العام، تحت شعارات التبسيط أو مواكبة الواقع مبينا أنه بالرغم من أهمية اللهجات بوصفها جزءًا من التراث الثقافي والاجتماعي، إلا أن تحويلها إلى بديل عن اللغة العربية الفصحى يُعد مسعىً خطيرًا يمس وحدة اللغة والهوية، ويُضعف قدرة الأجيال على التواصل المعرفي والعلمي المشترك. فالفصحى ليست لغة نخبوية أو جامدة، بل هي الوعاء الجامع الذي حفظ تاريخ الأمة، وربط حاضرها بماضيها، وأتاح لها إنتاج المعرفة وتداولها عبر الأقطار. إن استبدالها باللهجات لا يُعالج أزمة التعليم، بل يكرّسها، ويُعمّق الفجوة المعرفية، ويحوّل المشكلة من ضعف في الأداء إلى تخلٍّ عن الأصل ذاته.
وانتهى محرر الشؤون الثقافية في ختام تعليقه إلى القول: “إن الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية لا ينبغي أن يقتصر على الخطب والشعارات، بل يجب أن يكون وقفة نقدية صادقة لمراجعة واقع اللغة، والعمل على إصلاح التعليم في بلادنا، ومحاربة الغش والتزوير، وتأهيل المعلمين، وتعزيز استخدام اللغة العربية السليمة في المؤسسات التعليمية والإعلامية. فاللغة العربية لن تُحمى بالقرارات وحدها، بل بإرادة حقيقية تعيد لها مكانتها في المدرسة والجامعة والمجتمع، وتجعل منها أداة للمعرفة والإبداع، لا مجرد مادة دراسية أو شرط إداري للقبول الجامعي”. (الأنباء الليبية) ع د