طرابلس 11 ديسمبر 2025 (الأنباء الليبية) – عادت عربات البناء أو ما يُسمى في اللهجة المحلية بـ (براويط المرمة) بشكل كبير إلى شارع الجلاء بمحاذاة مصرف ليبيا المركزي في طرابلس لاستلام “الأكياس السوداء” المحشوة بفئات الدينار الليبي والدولار الأمريكي واليورو، من سيارات خاصة قبل نقلها إلى محلات سوق المشير، أكبر الأسواق الموازية (السوداء) لتداول العملة في ليبيا، في الوقت الذي استفحلت فيه أزمة شح السيولة في المصارف التجارية، وتجاوز سعر الدولار الأمريكي عتبة الـ 8 دينارات، وعادت عملية حرق الصكوك إلى واجهة التعامل في هذه السوق التي تقتات على مدخرات المواطنين ورواتبهم.
ويرى الخبراء أن استمرار تغول السوق السوداء على الدولة يعكس فشل خطط المصرف المركزي المعلنة حتى الآن لتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي للدولار ويطيح بأحلام بعث شركات للصرافة لتوفير الدولار نقدا وبيعه للمواطنين ومنع دخول السلع إلا عبر الاعتمادات المستندية.
وقال رئيس الأكاديمية الليبية للحوكمة، عبد الرحيم الشيباني، إن المعالجات التي قام بها مصرف ليبيا المركزي لم تتجه إلى أصل الأزمة المتمثلة في انخفاض سعر الدينار وارتفاع قيمة العملة الصعبة واكتفى بمعالجة بعض الأعراض التي لم تحقق توفير السيولة وفتح الاعتمادات لتوريد السلع فتدهور سعر الدينار واشتعلت الأسعار وهي المشاكل الأساسية التي تمس المعاش اليومي للمواطنين.
وأكد الشيباني في مقابلة مع صحيفة (الأنباء الليبية) اليوم الخميس، أن أصل الأزمة هي انخفاض سعر الدينار وارتفاع قيمة العملة الصعبة التي تجر ارتفاع أسعار السلع حيث يعمد التجار إلى وضع قيمة إضافية لاسترجاع السيولة (الكاش) من المصارف.
وأضاف أن أزمة السيولة تفاقمت بعد سحب العملة الورقية المتداولة من فئتي 20 و5 دنانير مشيرا إلى أنه رغم أن سحب العملة غير القانونية المتداولة خارج سلطة المصرف كان إجراء صحيحا، إلا أن مصرف ليبيا المركزي أخطأ عند تحديد مدة قصيرة لسحب هاتين الفئتين قبل أن يوفر العملة البديلة، وأخطأ أيضا في سحب فئة الـ 5 دنانير التي لم تكن مزورة والمقدرة بحوالي 3 مليار دينار بالتزامن مع سحب فئة الـ 20 دينارا، وكان يُفترض أن تبقى في التداول وتُسحب لاحقا، واصفا سياسات المصرف المركزي بالتخبط وبعدم مراعاة مصالح المواطنين شأنه شأن المؤسسات الحكومية الأخرى.
وتلقى موظفو القطاع العام رسائل على هواتفهم يوم 03 ديسمبر تفيد بإدراج مرتبات شهر نوفمبر عبر منظومة “راتبك لحظي”، في حساباتهم إلا أن المصارف كانت خالية من السيولة.
وعقد محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي محمد عيسى، أمس الأربعاء، اجتماعا مع المدراء العامين للمصارف التجارية بحضور مدراء الإدارات المختصة في المصرف المركزي، لمناقشة مستوى توفر السيولة النقدية وخطط التوزيع للأسبوع القادم والفترة المقبلة، وتطور مؤشرات الدفع الالكتروني، بحسب بيان نشره المصرف على موقعه الإلكتروني.
وأعلن المحافظ بدء توزيع 4 مليار دينار من السيولة النقدية على المصارف التجارية هذا الأسبوع لتوزيعها على فروعها، مشيرا إلى أن السيولة ستكون متوفرة ابتداءً من الأسبوع القادم في كافة فروع المصارف لتلبية احتياجات المواطنين دون تأخير، مع زيادة ساعات العمل، وضمان تعبئة آلات السحب الذاتي على مدار اليوم.
وشدّد المحافظ على المدراء العامين للمصارف بضرورة الانضباط في عمليات التوزيع والصرف داخل الفروع، واتباع آليات واضحة تضمن وصول السيولة لكل المناطق بعدالة وانتظام مؤكدا أن العملية ستكون محل متابعة من جانبه.
ووجّه عيسى المصارف إلى تعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكتروني وتوسيع خدماتها بما يسهم في تحقيق التحول الرقمي المنشود عبر تحسين البنى التحتية باستمرار، بما يساهم في تخفيف الضغط على السحب النقدي وتحسين مستوى باقي الخدمات المصرفية للمواطنين.
ورأى الشيباني أن عودة “البراويط” تكشف أن العملة المحلية منخفضة لدرجة أنها تنقل في “عربات البناء” وتؤشر على أن هناك كميات كبيرة من السيولة عند المضاربين أو في السوق الموازي.
وقال إن هذه الظاهرة تتفاقم كلما تنخفض قيمة الدينار الليبي ويسيطر المضاربون على السيولة ويصبحوا بديلا عن المصارف وهو ما يحدث الآن بالضبط حيث لا يتمكن المواطن من الحصول على السيولة من المصرف ويجدها في السوق الموازي التي تحقق مكاسب وصلت إلى 20 في المائة جراء ما يُعرف بـ “حرق الصكوك”، مؤكدا أن وراء هذه العملية شبكة عميقة من المضاربين والمسؤولين بالمصارف التجارية يقتسمون نسبة الـ 20 في المائة.
وفي رده على سؤال من أين تأتي هذه السيولة قال الشيباني:” العملة في الأصل لدى مصرف ليبيا المركزي الذي يقوم بطباعتها وتسليمها للمصارف التجارية المسؤولة عن توزيعها وتلبية احتياجات المواطنين إلا أنه يبدو أنه يُوجد خلل في هذه المصارف.
فعلى سبيل المثال عندما يتسلم المصرف التجاري مبلغا من المصرف المركزي لا يقوم بتوزيعه بالكامل على المواطنين بل يحتفظ بجزء منها لخدمة الشبكة التي تتعامل بحرق الصكوك”.
ووصف رئيس الأكاديمية الليبية للحوكمة عملية “حرق الصكوك” بالجريمة مؤكدا أن تتبع خيوط هذه الجريمة ليس بالأمر الصعب فهي تصدر عن مصارف وتتعلق بإجراءات المقاصة بين الفروع وتمر عن طريق مصرف ليبيا المركزي الذي بإمكانه أن يراقبها ومعرفة حركتها غير أنه أضعف من أن يقوم بهذه الإجراءات، بحسب قوله.
واستطرد أن هذه الجريمة تُلحق فادح الضرر بالمواطن وبالتالي يتعين أن تكون محل اهتمام من أجهزة أمنية أو أجهزة لها علاقة بالأمن القومي حيث يتعلق الأمر بالعملة النقدية للدولة وهي ليست سلعة تباع، ولها تأثير كبير على حركة الاقتصاد الوطني وحركة التجارة وعلى توفير السلع وعلى الأمن الغذائي والدوائي للمواطنين.
ولاحظ الشيباني أن هذا الملف الحساس لم يلق الاهتمام المطلوب لا من الأجهزة الرقابية ولا من المؤسسات الأمنية ولا من مصرف ليبيا المركزي الذي يبدو عاجزا أمام تلك الشبكة من المضاربين والمتعاونين معهم.
وفي رده على سؤال لماذا لا تتدخل الدولة لوضع حد للسوق الموازية، انتهى رئيس الأكاديمية الليبية للحوكمة إلى القول: “الدولة أضعف من أن تتدخل، فجميع مؤسساتها تعمل بطريقة منفصلة وبدون تنسيق وبدون توحيد للبرامج وهذا الوضع هو في الواقع انعكاس للانقسام السياسي الذي تسبب في ضعف الحكومة وعدم تمكنها من السيطرة على مؤسساتها وعجزها عن تحقيق الأمن الاقتصادي والنقدي على الأقل”. (الأنباء الليبية) س خ.
- حوار: ساسية اعميد
- تصوير: إسماعيل الكوربو