هون 19 نوفمبر 2025 (الأنباء الليبية) – تنتصب مدينة هون، جوهرة في قلب الصحراء الليبية، وواحة للتراث والمقاومة، بين مدينتي ودان وسوكنة لتشكل الواحات الثلاث المشهورة بإنتاج التمور، مع زلة والفقهاء، ما يُعرف اليوم بمنطقة الجفرة (620 كلم جنوب شرق العاصمة طرابلس).
يزدحم الطريق الساحلي إلى هون من طرابلس بحركة مرور كثيفة لا تكاد تنقطع إلى مفرق بوقرين على مسافة تقارب الـ 300 كلم، ويزيدها عناء التحويلات العديدة لتوسعة الطريق وصيانتها، قبل الولوج من مفرق بوقرين إلى هون مرورا بالقداحية وبونجيم حيث يدخل السائق على امتداد 320 كلم في صراع مع الحفر والتشققات التي تبطئ الحركة وترهق المسافرين، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن، وتأكل من عمر السيارة، إلى ذلك يغرق المسافر في حالة من الكرب والوحشة لانعدام وجود أية علامة دالة على مكان تواجده وسط ذلك الفضاء الصحراوي المهيب المعروف شعبيا بـ “خلاء بونجيم” أو المسافة المتبقية لأقرب مدينة، ولا يتنفس الصعداء إلا عندما تلوح مدينة ودان في الأفق قبل أن يحط الرحال في هون على بعد 20 كلم إلى الجنوب.
تأسرك هون عند لقائها لأول مرة بعد غياب لثلاثة عقود بشوارعها الواسعة والنظيفة ومبانيها المتناسقة ذات الدورين فقط، المتقاربة في التصميم الهندسي، وتشعر بارتياح كبير وأنت ترى مجمع القاعات الكبير، شقيق واغادوغو في سرت، قائما بكامل زينته، وتزداد فخرا عندما تعرف أن أبناء هون دافعوا عليه بأرواحهم وعضوا عليه بالنواجد في سنوات الفوضى التي أعقبت أحداث 2011، وتغمرك مشاعر البهجة المتناهية وأنت تقترب من أسوار المدينة القديمة المزدانة بلون رمال الصحراء لتجدها في أبهى حلة وأنت تتجول في شوارعها وأزقتها بعد أن نجت بأعجوبة من الهدم، وتستحضر في استنطاق للمكان صور رجال تعرفهم سكنتهم وسكنوها، وساهموا في إثراء الحياة الثقافية والأدبية في ليبيا.
يقول مدير جمعية ذاكرة المدينة، عبدالله زاقوب، إن مدينة هون مرت بثلاث مراحل تاريخية، الأولى يطلق عليها، الساكن بن مسكان، قد تعود إلى المرحلة الامازيغية، عمرها من 1800 إلى 2000 سنة، وهي الآن مطمورة بالطين نتيجة لفيضانات وديان قديمة وما تزال شواهدها قائمة من خلال بقايا بعض المنازل، والثانية جاءت خلال هجرة بني هلال وبني سليم وأسسها، كما جاء في الروايات التاريخية، خلف الله محمد المناري، ومن معه من عشائر بني هلال وبني سليم، وتم بناؤها قبل 800 سنة وأطلق عليها هون، إلا أنها طمرت بالرمال عام 1842 فراسل أهالي هون الوالي في طرابلس طالبين بناء بلدة جديدة والانتقال إليها فأذن لهم بذلك عام 1842 حتى 1844 حيث تأسست هون المدينة القديمة، ليعيش أهلها في ود وسلام، وتم تقسيمها الى ما يُعرف بأربعة أرباع، كل ربع يديره شيخ يسمى شيخ الربع، حتى جاء الإيطاليون الفاشيست ليهب الأهالي للدفاع عنها في كثير من المعارك إلى جانب الزعيم القبلي، وشيخ المجاهدين، في المنطقة الوسطى، عبد الجليل سيف النصر، وخاضوا معه العديد من المعارك في المنطقة الوسطى وشاركوا في معارك الهاني، والشط، والسدادة، وتاقرفت، وعافية، أكبر المعارك القريبة من هون.
وأوضح زاقوب في حديث لوكالة الأنباء الليبية (وال) على هامش مهرجان الخريف السياحي الدولي في هون، في نسخته التاسعة والعشرين، الذي استضافته المدينة من 13 إلى 15 نوفمبر الجاري، أنه على إثر هذه المعركة ثم شنق 19 مجاهدا من أبناء هون يوم 18 نوفمبر 1928 قبل أن تقرر سلطات الاحتلال الإيطالي الفاشستي تهجير أهالي هون جميعهم الى مدن مصراته والخمس حيث بقوا قرابة العامين في المنفى.
واستطرد أن الإهمال طال مدينة هون خلال فترة الاحتلال وسكن فيها كثير من المغتربين والعصابات الإيطالية والأحباش، وعندما عاد إليها أهلها من المنفى، وجدوها مهدمة والآبار مردومة وسُرقت كل ممتلكاتهم، فقاموا بترميم ما تم هدمه وصيانة بعض الاقواس والبيوت المتضررة وعاشوا فيها فترة طويلة إلى أن جاءت مرحلة إعادة البناء والتنمية في سبعينيات القرن الماضي وتحصلوا على قروض للبناء في إطار مشاريع التطوير العمراني.
وأفاد زاقوب أن أهالي هون غادروا المدينة القديمة ليسكنها الكثير من العمالة المغتربة العربية والافريقية حتى أصبحت مكبا للقمامة ومثار جدل فقررت السلطات وقتذاك هدمها إلا أن الأهالي تصدوا إلى هذه النزعة ووُلدت جمعية ذاكرة المدينة كمؤسسة أهلية قبل 33 عاما بهدف المحافظة على المدينة القديمة بعد إخلائها من حوالي 2000 ساكن من العمالة المغتربة سنة 2006 بالتعاون مع السلطات المختصة، لتُصبح في صلب اهتمام الجمعية التي نفذت الكثير من حملات الصيانة منذ إنشائها عام 1992 فتم نقل مخلفات البناء والتخلص من القمامة وإعادة بعض الرموز والشواهد التاريخية للمدينة القديمة، إلى جانب ترميم الأماكن التي لها دلالة تاريخية وتعرضت إلى الهدم والخراب لتصبح المدينة القديمة اليوم مزارا للسياح.
وتحدث زاقوب في رده على سؤال حول مكونات البيت الهوني في المدينة القديمة، فقال إن من أساسيات البيت الهوني، الرحي، لطحن الحبوب من القمح الشعير والقصب، والهُري، أي مخزن التمور، والدكانة أو الغرفة، وحفرة بيت الولادة، وهي أساسية في البيت الهوني تكون مغطاة بالرمل تجلس فيها المرأة عند الولادة والنفاس، ومخزن (غرفة) الصبيان، وبئر الماء، وهو أيضا من أساسيات البت الهوني، والحوش الذي تقام فيه المناسبات والأعراس والجلسات العائلية في فصل الخريف.
وحول مهرجان الخريف السياحي الدولي في هون، حيث يلتقي الموروث الحضاري الإنساني والفنون والتراث في مفهومه الشامل والثقافة والتاريخ والحضارة، أفاد عبد الله زاغوب أن هذا المهرجان كان أحد إنجازات الجمعية حيث تحولت المدينة القديمة من خلاله إلى مركز للأنشطة الثقافية والصناعات التقليدية في العديد من المواسم التراثية والأعراس الشعبية، وليرتبط أهالي هون من جديد بمدينتهم القديمة خاصة في أيام المهرجان الذي كان يُعرف بمهرجان التمور في دوراته الثلاث الأولى، وأضحى اليوم منارة يُعبر من خلالها أهالي هون عن تراثهم وأغاني النخيخة المشهورة واحتفالاتهم بزيهم التقليدي مشيرا إلى أن المهرجان منذ انطلاقه لم يتوقف إلا في ثلاث مناسبات، عام 2011 إثر الأحداث التي شهدتها البلاد، وفي فترة كورونا، وخلال الإعصار الذي ضرب مدينة درنة.
وكتب الإعلامي الليبي، بشير بلاعو، الذي اسرته هون وأهلها بعد حضوره المهرجان في نسخته الـ 29 على جداره الفيسبوكي يقول: “كأجمل ما تكون المشاركة الفاعلة المتفاعلة، لأبناء هون ومتساكنيها في رسم ووسم وتنفيذ مهرجات الخريف (هون 2025) … عمر المهرجان 29 عاما وشارك في جعله محفلا وطنيا ممن هم دون الـ 9 حتى ممن قاربوا الـ 99 … هون المدينة العائلة”.
يستضيف مهرجان الخريف السياحي الدولي بهون في كل دورة فرقا للفنون الشعبية وخبراء التراث الشعبي والموروث الحضاري المادي واللا مادي من مختلف المدن الليبية، منها غدامس وغات ودرنة وبنغازي وطرابلس والخمس، وعديد الأدباء والكتاب والرسامين والنحاتين، وأبرم القائمون عليه اتفاق توأمة مع مهرجان دوز الدولي في تونس. (الأنباء الليبية) س خ.
- حوار: ساسية اعميد – أميرة التومي
- تصوير: إسماعيل الكوربو