طرابلس 02 نوفمبر 2025 (الأنباء الليبية) – أعدادهم بالعشرات بالمئات، بالآلاف لا أحد في ليبيا يعرف، ولا تستطيع أية جهة رسمية أن تضبط أعدادهم، أبصروا النور في مستشفيات عامة ومصحات خاصة، ومعظمهم في “كامبوات” (مجمعات سكنية للإيجار يشتمل كل واحد منها على عدة غرف سقفها عادة من الصفيح وحمامات ومطابخ جماعية مقامة في المزارع الخاصة المحيطة ببعض المناطق في ضواحي العاصمة طرابلس والمدن الكبرى وعلى مشارفها، وفي القرى والأرياف)، إنهم أطفال المهاجرين غير الشرعيين … السؤال المشروع الذي يجب طرحه اليوم بإلحاح، رغم ما يحيط به من غموض و”تابوهوات”، ومخاوف: ما هو مصير هؤلاء الأطفال في ليبيا؟
جلست النيجيرية أميناتا عصمان في ركن على رصيف أحد المحلات التجارية الكبرى في منطقة غوط الشعال (غرب طرابلس)، على ركبتيها طفل لا يتجاوز عمره ستة أشهر تسأل الناس صدقة لإطعام رضيعها ورعايته، قد يكون هذا الرضيع طفلها أو أنه من أدوات التسول الذي تديره شبكات محلية أو وافدة، لكن الواضح أن هذه السيدة لاتزال تحمل على وجهها ندوب رحلة شاقة، طويلة وخطيرة للوصول إلي طرابلس قادمة من القرية أو المدينة التي انطلقت منها في نيجيريا، جنوب الصحراء الكبرى.
وأبلغت أميناتا مراسلة لوكالة الأنباء الليبية (وال)، بعد تردد وشيء من الخوف، أن زوجها ركب البحر قبل خمسة أشهر بعد أن وضعت مولودها مباشرة ولم تسمع عنه أي شيء منذ أن غادرها إلى إيطاليا بحرا ضمن مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين، ووعدها بأن يُرسل إليها ثمن الرحلة إلى إيطاليا حالما يستقر ويتوفر لديه المبلغ، إلا أنها باتت تخشى أن يكون غرق أو تم اعتقاله.
وأضافت أنها أنجبت طفلها في “الكامبو”، الذي تقيم فيه في مدينة جنزور (غرب طرابلس) ولا تستطيع العودة به إلى بلادها دون مستندات مؤكدة أنها تواصلت مع أحد المسؤولين عن الجالية النيجيرية عند زيارته إلى “الكامبو”، لكنه لم يقدم لها أي حل شأنها شأن الكثير من النيجيريات في نفس وضعها فاضطرت إلى الخروج للتسول.
كشف عضو هيئة التدريس، الباحث الليبي، سالم امجاهد، في استطلاع أجرته (وال) مع عدد من المسؤولين والمختصين لتسليط الضوء على مخاطر هذه القضية الشائكة والمعقدة وتبعاتها، الحالية والمتوسطة وبعيدة المدى، على الأوضاع الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وعلى النسيج الاجتماعي الليبي، أن النساء المهاجرات غير الشرعيات يشكلن خطرا مضاعفا على المجتمع مقارنة بالرجال الذين يبحثون عن فرص عمل، أو القفز إلى الضفة الأخرى من المتوسط.
وأوضح أن النساء المهاجرات يسعين إلى الحمل لمضاعفة فرص الحصول على اللجوء لو تمكنً من العبور إلى الضفة الأخرى من المتوسط ووضع المولود فوق تراب إحدى دول القارة العجوز، أو كسب تعاطف المجتمع الليبي لو تقطعت بهن السبل، وبالتالي يواجهن مخاطر الاستغلال الجنسي والدعارة القسرية والعمل في ظروف صعبة، سواء في مراكز الاحتجاز أو خارجها.
وأكد امجاهد أن الخطر الأكبر على النسيج الاجتماعي يأتي من أطفال المهاجرات غير الشرعيات المولودين في ليبيا، وبخاصة الأطفال مجهولي النسب أو أولئك الذين تركهم أبواهم لأي سبب من الأسباب، (اللقطاء)، ما يخلق أزمة إنسانية وقانونية ستواجه الدولة الليبية اليوم وغدا.
أصبحت ظاهرة انتشار النساء اللائي يحملن أطفالا حديثي الولادة على ظهورهن، وأطفالا من الجنسين تتراوح أعمارهم بين 5 و10 سنوات يبيعون قوارير المياه، والمناديل الورقية على قارعة الطريق، أمرا مألوفا في شوارع طرابلس وسائر المدن الليبية، نهارا وليلا.
وأكد الباحث الليبي أن منظمات غير حكومية أجنبية تنشط في ليبيا، ومنظمات ليبية من المجتمع المدني تتعامل معها، تقوم برعاية المهاجرات غير الشرعيات الحوامل وتدفع مصاريف ولادتهن في مصحات خاصة، مشيرا إلى أن العملية رغم أنها تبدو في الظاهر إنسانية إلا أنها تشكل خطرا من الوزن الثقيل على النسيج الاجتماعي الليبي.
وقال إن غالبية هؤلاء النساء لا يتحدثن أية لغة غير لغتهن المحلية، ما يصعًب عملية التفاهم معهن، خاصة أنهن قد لا يعرفن جنسية الأب، وبالتالي يكون المولود مجهول النسب وسيكبر في بيئة ليبية سواء مع أمه أو مع أم أخرى داخل (الكامبوات)، وسيستخدم، وهو رضيع، في التسول قبل أن يخرج الي الشارع، حيث يتعلم اللهجة الليبية، ويصبح جزءا من المجتمع.
وقالت ياميس أنيكي(نيجيرية حوالي 25 عاما)، بلغة انجليزية ممزوجة ببعض الكلمات العربية من على فراشها في مستشفى الجلاء لأمراض النساء والولادة، إنها أنجبت الأسبوع الماضي طفلة بصحة جيدة وغادرت المستشفى في اليوم التالي لدخولها إلا أنها أصيبت بالتهابات بعد ثلاثة أيام جراء العملية القيصرية فعادت إلى المستشفى وهي الآن تتلقى العلاج لليوم الثاني على التوالي.
وبسؤالها عن ابنتها أجابت أنيكي أنها تركتها لدى (صديقة) في البيت الذي تقيم فيه مع أربع عائلات من نيجيريا، كل عائلة في غرفة، في منطقة قرقارش، لأن زوجها يعمل في ورشة لتصليح السيارات ولا يستطيع ترك العمل.
واطلعت (وال) على نسخة رسمية من التقرير السنوي لحالات ولادة الأجانب في أكبر مراكز الولادة في العاصمة طرابلس، مستشفى الجلاء لأمراض النساء والتوليد، لسنة 2024 وكان عددها 1061 حالة فيما بلغ عدد الحالات في النصف الأول من سنة 2025، 632 حالة من جنسيات مختلفة، وهذه العينة الرسمية من مستشفى عام في مدينة ليبية واحدة تبعث، بحسب المراقبين، عن الخوف فيما يتعلق بأعداد هؤلاء الأطفال في عموم التراب الليبي.
ويقول استشاري النساء والولادة، مدير عام المستشفى، الدكتور نادر الثليب، إن مؤسسته تعمل وفق الأسس المهنية الطبية والمبادئ الإنسانية مع حالات الولادة للمهاجرات غير الشرعيات وسط ظروف صعبة وتحديات يفرضها وضع هؤلاء المهاجرات على المستويات الصحية والاجتماعية.
ويضيف أن جلً الحالات تأتي في حالة وضع أو على وشك الولادة فيتم استقبالها ومعاملتها معاملة حسنة وإدخالها الى صالة الولادة إلى أن تتم عملية الوضع ومتابعة المولود والأم ما بعد الولادة إلى الخروج وتطعيم المولود.
وبسؤاله عن حالات مجهولي النسب قال الاستشاري الليبي:” نعم واجهتنا مثل هذه الحالات بدون أوراق ولا أي إثبات للهوية وواجهتنا مشاكل أخرى معقدة متصلة بحالات الإصابة بالوباء الكبدي وفيروس نقص المناعة المكتسبة (الايدز) حيث نقوم بتسجيلها وتوثيقها ويتم التبليغ عنها … ولكن للأسف تأتي المريضة لا تتحدث اللغة الإنجليزية ولا العربية فلا نعرف كيف نتعامل معها وتأتي وحيدة ليس معها أي شخص وتدخل للاستقبال وفجأة تلد ويأتي دكتور الأطفال ما إن يسحب لها الدم لإجراء التحاليل يجد لديها (الايدز) وهذه إحدى المشاكل التي نواجهها مع الأطباء ومع عناصر التمريض، خاصة مع أطباء حديثي الولادة”.
ويؤكد الثليب أنه يتم تسجيل الأم والمولود ونوعه والطبيبة التي أشرفت على عملية التوليد، ومنحه وثيقة ولادة يتم تسليمها عند الخروج وكشف أن حالات الولادة لمجهولي النسب تتم معاملتها وفق الإجراءات القانونية المعمول بها في مثل هذه الحالات.
ورغم أنه لم يوضح طبيعة هذه الإجراءات إلا أن مراسلة لـ (وال) اكتشفت أنه يتم تبليغ مركز الأمن الملحق بالمستشفى حيث يتم التحقيق مع الأم التي لا تعرف جنسية الأب ولا مكان وجوده فتجد السلطات الليبية المسؤولة نفسها أمام الأمر الواقع وتقوم بإطلاق سراح الأم ومولودها كون محاولات إعادتها إلى بلادها تكون مستحيلة.
وكان لاشتعال الحرب في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023 التي أحدثت دمارا هائلا في السودان وتسببت في أكبر عملية نزوح لأهله، انعكاسات خطيرة على ليبيا حيث تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين على المدن الليبية، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال المصحوبين بأهلهم، وآخرون غير مصحوبين، وآخرون ولدوا في ليبيا خلال العامين الماضيين، ما يجعل وضع هؤلاء الأطفال في مهب الريح.
وتحدثت السودانية تالا صالح إلى مراسلة لـ (وال) التقتها في تقاطع شوارع في منطقة حي الأندلس مصحوبة بطفلين تطلب مساعدة المارة على تأمين احتياجات طفليها، وكان أحدهما يرفع لوحة مكتوب عليها “لو ممكن عاملة نظافة” موضحة على استحياء أن زوجها قُتل في الحرب ورافقت عددا من سكان منطقتها في رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر إلى الكفرة الليبية قبل أن تنتقل إلى طرابلس بحثا عن فرصة عمل.
وتقول المستشارة القانونية لمصلحة الأحوال المدنية الليبية، سمية المزوغي، إن الطفل الذي يولد في ليبيا لأم مهاجرة معروفة الجنسية ومجهول الأب، يُنسب إلى أمه ولا تُمنح له الجنسية الليبية مطلقا. أما الطفل حديث الولادة الذي يُترك في مكان عام ولا يُعرف له نسب أو أب أو أم يدعيانه، ويحتاج إلى الرعاية فإنه يُلحق بدور الرعاية وتُمنح له الجنسية وفق القانون.
ويضيف رئيس الأكاديمية الليبية للحوكمة، عبد الرحيم الشيباني، أن متابعة هؤلاء الأطفال في ليبيا بوضعها الحالي المتأزم مستحيل، وسيكون بالتالي مصيرهم في الشارع ليشكلوا عبئا على المجتمع الليبي وتهديدا لدول الجوار ودول الاتحاد الأوروبي خاصة، مشيرا إلى أن المقاربة الأمنية التي لم تمنع آباءهم وأمهاتهم، من ركوب البحر، وسط كل المخاطر، لن تثني هؤلاء الأطفال على محاولة القفز إلى الضفة الأخرى متى اشتد عودهم، في حين سيتحول آخرون إلى وقود لعصابات الجريمة المنظمة العابرة للحدود لتهريب المخدرات والاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي وجرائم بيع الأعضاء، وستتصيدهم الجماعات المسلحة الإرهابية أو المؤدلجة خاصة أنهم سيكونون بلا تعليم ولا رعاية اجتماعية وبلا أمل.
وتقول السودانية عواطف عبد الرحمن( 35 عاما أم لثلاثة أطفال)، جاءت إلى ليبيا قبل خمسة أعوام من نيالا (عاصمة جنوب كردفان مع طفلين والثالث أنجبته قبل 8 أشهر في ليبيا)، إنها كانت تعمل لدى عائلة ليبية كمدبرة منزل مقابل 900 دينار شهريا، وتساعد زوجها (سائق آلات ثقيلة) في دفع ايجار بيت بسيط في ضواحي مدينة جنزور(غرب طرابلس)، إلا أن زوجها اختفى بعد أن أنجبت مولودها الثالث ولم تسمع عنه أي شيء، وتعتقد أنه ركب البحر إلى إيطاليا، فاضطرت إلى الخروج للتسول بعد أن استغنت العائلة الليبية عن خدماتها.
وبسؤالها عن سبب اختيارها الجلوس على قارعة هذا الطريق الترابي تحت الإنشاء الرابط بين مدينة جنزور ومنطقة السراج، أجابت عواطف أنها تخشى أن تعتقلها الشرطة خلال الحملات ضد ظاهرة التسول.
ورأى الباحث الليبي، سالم امجاهد، أنه يتعين على السلطات الليبية المختصة مواجهة هذه الظاهرة التي تشكل تحديات أمنية واقتصادية وسياسية واجتماعية خطيرة في ليبيا، بصورة إنسانية وفق القوانين النافذة، والتعامل الصارم مع المواليد مجهولي النسب، تبدأ بإغلاق كافة المنشآت التجارية أو المنازل التي تستخدم عاملات غير مرخصات، منع تحويل الأموال بطرق غير شرعية، سحب الهواتف غير المسجلة باسم مواطنين أو مقيمين قانونيين، منع منح الجنسية الليبية تحت أية مسميات، ترحيل الأم والطفل معا، منع المصحات الخاصة من تقديم خدمات التوليد ، مكافحة الفساد الإداري وتواطؤ بعض المسؤولين مع شبكات التهريب، معالجة ضعف مراقبة الحدود ومنع التسلل إلى ليبيا، إنشاء نيابة خاصة لمكافحة تهريب البشر، التصدي للتدخلات الدولية السلبية التي تعمل على توطين المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا، التعاون مع الاتحاد الأفريقي لإنشاء قواعد بيانات عن الهويات البيومترية للمهاجرات غير الشرعيات في ليبيا.
غير أن الدبلوماسي الليبي السابق، علي ماريا، رأى أنه يتعين على السلطات الليبية المختصة مجتمعة معالجة هذه الظاهرة الخطيرة بحكمة وعقلانية وبدبلوماسية واقعية، أو من خلال الدبلوماسية الموازية، والتعامل الإيجابي مع الأمر الواقع بعيدا عن المقاربات الأمنية التي ثبت فشلها، ليس في ليبيا فحسب بل في كافة الدول التي تواجه تدفقا للمهاجرين غير الشرعيين.
ودعا ماريا إلى ضرورة ضبط مواليد المهاجرين مجهولي النسب وحصرهم بالدرجة الأولى، ووضع التشريعات التي تسمح لهم بتلقي الرعاية الصحية والاندماج في المدارس والمؤسسات التعليمية الليبية خشية أن يتحولوا، مع توالي الأعوام، وبقوا مهمشين دون تعليم أو رعاية، إلى قنابل موقوتة يصعب تفكيكها.
وطالب ماريا السلطات المختصة بتحمل مسؤولياتها الوطنية والأخلاقية ومعالجة هذا الملف الذي أضحى أمرا واقعا فرض نفسه ولا يمكن تهميشه أو القفز عليه، وتبني استراتيجية شاملة تنخرط فيها كافة المؤسسات المعنية، واتخاذ التدابير العاجلة والإجراءات الصارمة لمنع تزايد تدفق المهاجرات غير الشرعيات من خلال ضبط الحدود وفق المستطاع، وإن كان الأمر شبه مستحيل في ظل الانقسام السياسي الذي يعصف بالبلاد، ومحاربة عصابات تهريب البشر بيد من حديد، مشددا على ضرورة عدم الانخراط في أية اتفاقيات تجعل من ليبيا شرطيا لحماية حدود الاتحاد الأوروبي والانسحاب الفوري من أية اتفاقيات مشابهة.
يبدو أن الخيارات أمام السلطات الليبية في معالجة الملف الكارثة لأطفال المهاجرين غير الشرعيين، ومجهولي النسب تحديدا، محدودة جدا بين اتخاذ الإجراءات الصارمة مع الاستعداد لمواجهة ما يترتب على ذلك من تجاوزات ومحاربة عصابات الاتجار بالبشر المحلية والوافدة، أو تبني قوانين جديدة تلائم مثل هذه الأوضاع وتُتيح إدماج هؤلاء الأطفال، ودعوة دول المصدر ودول الاتحاد الأوروبي إلى تحمل مسؤولياتها الأخلاقية في هذه الظاهرة الإنسانية العابرة للحدود، واتخاذ كافة التدابير اللازمة للتعامل مع مجهولي النسب الذين باتوا واقعا لا مفر منه. (الأنباء الليبية) س خ.
-متابعة: ساسية اعميد
-تصوير: إسماعيل الكوربو