بنغازي 12 أغسطس 2025 (الأنباء الليبية) ـ انطلقت مبادرة وطنية في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه ليبيا في مجال توثيق وحفظ تراثها التشريعي ، تهدف إلى إعادة بناء الذاكرة القانونية للبلاد بعد سنوات من التشتت والفوضى التي طمست كثيراً من النصوص القانونية والوثائق التشريعية.
بدأت القصة من مكالمة هاتفية بين البديري شريحة المحامي ومؤسس “إتقان الدولية للمحاماة”، وهادي نصر رئيس مجلس إدارة “العنكبوت الليبي”، في 20 أغسطس 2021. كانت الفكرة مبدئياً إنشاء منصة قانونية لخدمة المجتمع، إلا أن النقاش بينهما كشف حجم الفجوة الرقمية التي تعاني منها البنية التشريعية في ليبيا، لتتسع الفكرة وتتحول إلى حلم كبير أُطلق عليه اسم “المجمع القانوني الليبي”، وهي منظمة مجتمع مدني تم تسجيلها رسميًا في 22 فبراير 2022.
كان الوصول إلى نص قانوني في ليبيا مهمة صعبة، بسبب تشتت النصوص، فقدان الأصول، ونقص الأرشفة الرقمية، حتى الجهات الرسمية نفسها لم تكن تملك توثيقًا كاملاً لتشريعاتها. جاء المجمع القانوني الليبي لسد هذه الفجوة، وخلق مرجعًا مركزيًا موثوقًا يوفر النصوص القانونية كما صدرت دون أي تعديل أو تفسير.
تُقسم خطة العمل إلى مرحلتين: المرحلة الأولى تغطي أرشفة التشريعات منذ عام 1951 وحتى الوقت الحالي، حيث أنجز الفريق أكثر من 50% من هذه المرحلة بتحويل النصوص إلى صيغ رقمية قابلة للبحث. أما المرحلة الثانية فتغطي الفترة من 1911 إلى 1951، وهي تتضمن العهد الإيطالي والإدارات البريطانية والفرنسية، وهي مرحلة أكثر تعقيدًا بسبب ندرة المصادر وضرورة البحث الدقيق.
تمر عملية الأرشفة بخمس مراحل رئيسية: تبدأ بجمع أعداد الجريدة الرسمية عبر الشراء أو التبرعات، ثم رقمنتها باستخدام أجهزة متخصصة، وتحويلها إلى نصوص عبر تقنية التعرف الضوئي على الحروف (OCR)، ثم معالجة وفهرسة هذه النصوص لربط المواد القانونية بعضها ببعض، وأخيرًا نشرها مجانًا على منصة إلكترونية مصنفة زمنيًا وموضوعيًا.
حظي المجمع القانوني باعتراف محلي ودولي واسع، حيث تعتمد عليه وزارات وهيئات حكومية، مكاتب المحاماة، الجامعات، والقضاة. كما أن بوابة الحكومة البريطانية ومؤسسات خليجية ودولية باتت تستشهد بمحتوى المجمع. وصف المستشار جمعة عبد الله أبو زيد، وزير العدل الأسبق وعضو المجلس العلمي بمكتب النائب العام، المشروع بأنه “ختمة جليلة للعدالة تسد فراغًا طالما عاناه النظام القانوني الليبي ويستحق كل الدعم.”
تُظهر الأرقام حجم الإنجاز حتى الآن، حيث تم فهرسة 2008 عددًا من الجريدة الرسمية، ونشر أكثر من 15,000 وثيقة قانونية من أصل 50,000 مستهدفة، وأرشفة 2000 حكم من المحكمة العليا من أصل أكثر من 25,000، مع هدف نهائي يتمثل في أرشفة 150,000 وثيقة تاريخية وحديثة.
رغم غياب الدعم الحكومي أو الخارجي، يستمر المشروع بتمويل ذاتي من العنكبوت الليبي وإتقان الدولية للمحاماة، وبمساعدة متطوعين. تشمل الخطط القادمة إكمال أرشفة الجريدة الرسمية منذ عام 1951 خلال 12 شهرًا، وإطلاق مشروع الأرشفة التاريخية، وتوسيع التغطية لتشمل المعاهدات والأحكام القضائية، ودمج المجمع في المناهج الجامعية لتعزيز الوعي القانوني.
يشكل المجمع القانوني الليبي صرحًا وطنيًا مفتوحًا لكل مواطن ومؤسسة تؤمن بسيادة القانون وحفظ التاريخ، ويدعو الجميع للمساهمة سواء عبر تقديم وثائق نادرة، أو مشاركة الخبرات، أو تقديم الدعم المالي، لأن كل مساهمة مهما كانت صغيرة تعد لبنة أساسية في بناء ذاكرة تشريعية تحفظ ماضي الأمة وتخدم مستقبلها. (الأنباء الليبية ـ بنغازي) ه ع
تقرير: حنان الحوتي