بنغازي 08 أغسطس 2025 (الأنباء الليبية) – كشفت دراسة علمية حديثة أعدّتها الباحثة الدكتورة دلال مفتاح الفيتوري، الأستاذ المشارك بقسم التاريخ في جامعة بنغازي، والباحث علي فؤاد علي يونس، الحاصل على ماجستير في التاريخ الإسلامي من جامعة عمر المختار، عن وجود فجوة معرفية عميقة بين التراث الطبي العربي الإسلامي وواقع التعليم الطبي في ليبيا.
وبيّن معدّا الدراسة، في حديثهما لصحيفة الأنباء الليبية، أن إعادة دمج الطب العربي الإسلامي في المنظومة الأكاديمية لا يمثل تراجعًا علميًا، بل يُعد رافدًا معرفيًا أصيلًا يمكن توظيفه ضمن إطار علمي حديث ومتوازن، خاصة أن هذا النوع من الطب بُني على قواعد دقيقة من الملاحظة والتجريب، وأسهم في تشكيل مرجعية أساسية للطب العالمي.
وخلصت الدراسة إلى أن الإرث الطبي الإسلامي لم يكن مجرد امتداد للترجمات الإغريقية أو الفارسية، بل نشأ كعلم مستقل له منهجه وأدواته، وساهم في تطوير تخصصات طبية متعددة كالعيون، والجراحة، والصيدلة، والتشريح.
و أشار الباحثان إلى أن مؤلفات أعلام الطب الإسلامي مثل ابن سينا والرازي والزهراوي كانت تُدرّس في جامعات أوروبية مرموقة كـ ساليرنو الإيطالية ومونبلييه الفرنسية، واستمر اعتمادها لقرون ضمن المقررات الدراسية، حتى بدايات القرن التاسع عشر، ما يعكس تأثير هذا التراث في بناء منظومات الطب الحديثة.
وفي المقابل، رأت الدراسة أن المؤسسات التعليمية في ليبيا لا تزال تُغفل هذا المحتوى التاريخي العلمي، مما يُفاقم من حالة القطيعة بين طلاب الطب وامتدادهم الحضاري والمعرفي.
وأوضحت الدراسة أن المؤلفات الطبية الإسلامية قد تفتح المجال لاكتشاف نظريات جديدة وتوسيع أفق البحث في مجالات متعددة، من بينها العلاج بالأعشاب والطب الوقائي، استنادًا إلى أساليب علمية دقيقة لا تزال تحظى بالاهتمام.
وسلّط الباحثان الضوء على تجربة معهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب كنموذج عربي ناجح يُحتذى به، حيث يقدم برامج أكاديمية في تخصص الطب العربي، ويمنح شهادات عليا بعد دراسة تخصصية تمتد لعامين، تشمل إعداد أطروحة بحثية تطبيقية.
توصيات عملية لتجسير الفجوة
دعت الدراسة إلى تبني رؤية وطنية واضحة لإحياء التراث الطبي داخل المؤسسات الأكاديمية الليبية، معتبرة أن هذه الخطوة تُعد ضرورة معرفية، وليست مجرد مبادرة تراثية.
وشددت على أهمية إدراج مادة “الطب العربي” في مناهج كليات الطب والصيدلة، لتوفير قاعدة معرفية متكاملة تسهم في تعريف الطلبة بإسهامات العلماء المسلمين، وتثري فهمهم للسياق التاريخي لتطور الطب، بما يعزز من هوية التعليم الطبي الوطني.
كما أوصت الدراسة بإنشاء مراكز بحثية وطنية متخصصة، تتولى تحقيق وتحليل المخطوطات الطبية الإسلامية ودمجها ضمن مشاريع البحث العلمي، لما تحمله من ثروة معرفية يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة في مجالات الوقاية والعلاج.
وشملت التوصيات أيضًا تنظيم مؤتمرات وندوات علمية دورية، تهدف إلى دراسة التراث الطبي العربي بمنهجيات معاصرة، وتوفير منصات للحوار بين المؤرخين، والأطباء، والباحثين، لتطوير آليات إدماج هذا الإرث في الخطط التعليمية والسياسات الصحية.
و شددت الدراسة على أن ليبيا، باعتبارها جزءًا من الامتداد العلمي العربي والإسلامي، تمتلك القدرة على استعادة دورها الريادي في هذا المجال، مؤكدة أن إعادة الاعتبار للطب العربي ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وطنية لبناء مستقبل طبي يجمع بين الأصالة والتطور العلمي.(الأنباء الليبية) ك و متابعة: بشرى العقيلي
