بنغازي 03 يوليو 2025 (الأنباء الليبية) -يُعتبر تعاطي المخدرات وإدمانها من بين أبرز المعوقات لحركة التنمية في المجتمع الليبي، وتصيب أدواتها بالشلل التام، نظرا لضربها فئة الشباب، القوة الفاعلة، وهي ليست مشكلة أمنية فحسب، بل هي آفة اجتماعية وصحية ونفسية واقتصادية وتربوية تستدعي تكاثف كافة الجهود على المستوى الوطني وبخاصة تطبيق القانون الليبي الخاص بالمخدرات والمؤثرات العقلية، بلا هوادة.
أسدلت محكمة الجنايات ببنغازي، قبل أيام، الستار على قضية تهريب كبرى، في سابقة لم تشهدها ساحة القضاء الليبي منذ عدة سنوات، بإصدارها حكما بالإعدام على مهرب للمؤثرات العقلية، وهو حكم، برأي المراقبين، لم يكن مجرد نهاية لفصل من فصول الجريمة، بل رسالة قضائية وأمنية حازمة بأن زمن التهاون والافلات من العقاب قد ولى.
-كمين عند الفجر
بدأت خيوط القضية تتكشف ظهيرة يوم شتوي في 30 ديسمبر 2024، عندما تحركت قوة من المهام الخاصة تابعة لجهاز مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة، وكان الهدف سائق سيارة نوع (فيتو) يُدعى (م. ع. ن) تأكد تورطه في تهريب شحنة ضخمة من أقراص (الأرتان) المهلوسة.
نُصب كمين محكم بالقرب من سكن المتهم في منطقة قنفودة ببنغازي واستمرت المراقبة إلى حين عودة المشتبه به ليركن سيارته فجراً قبل أن يدخل مطمئنا لينام في بيته. وبعد تفتيش دقيق للسيارة بأمر من النيابة المختصة عُثر على كنز السموم القاتلة (10.900 قرص مهلوس) كانت مدسوسة بدهاء شيطاني قرب خزان الوقود.
-شبكة عابرة للحدود: من الكبدة الفاسدة إلى الأرتان
لم يكن المتهم مجرد سائق عابر، فسرعان ما كشفت التحقيقات الأولية عن شبكة تهريب دولية، تمتد خيوطها من ليبيا إلى مصر حيث اعترف المتهم بأنه جزء من تشكيل إجرامي على صلة بثلاثة تجار مصريين.
وكشفت التحقيقات أن هذه العملية لم تكن الأولى له فتاريخه الإجرامي تضمن قضية سابقة تتعلق بتهريب كبدة فاسدة، وهي جريمة أدين فيها وسُجن بسببها، ما يظهر إصراره على العمل ضمن شبكات الجريمة العابرة للحدود.
-الأرتان … تجارة الموت الرخيصة
كشف مكتب المعلومات والتوثيق بجهاز مكافحة المخدرات أن أقراص (الأرتان) تُعد من أكثر المؤثرات العقلية تداولاً في السوق السوداء محليا نظرا لانخفاض سعرها في بلد المنشأ، وتدر مكاسب كبيرة عند بيعها في ليبيا، موضحا أن الشحنة المضبوطة التي لا تتجاوز تكلفتها 4.000 دينار ليبي، كان من الممكن أن تضمن للشبكة الإجرامية ما يصل إلى 35.000 دينار، نصيب المتهم منها 10000 دينار، على حساب تدمير الشباب والمجتمع.
-حكم تاريخي ورسالة مزدوجة
بعد استكمال التحقيقات وتقديم الأدلة الدامغة، قضت محكمة الجنايات ببنغازي في مطلع يونيو 2025، بالإعدام على (م. ع. ن) بتهمة جلب ونقل وحيازة والاتجار في المؤثرات العقلية، وبالسجن لمدة عام مع الشغل وغرامة ألف دينار عن تهم الشراء والتعاطي، ومصادرة السيارة والهاتف المحمول وجميع المضبوطات.
يعاقب القانون الليبي بالإعدام أو بالسجن المؤبد والغرامة التي لا تقل عن عشرة آلاف دينار ولا تزيد على خمسين ألف دينار، كل من صدر أو جلب أو أنتج أو استخرج أو فصل أو صنع أو روج مواد مخدرة أو مؤثرات عقلية في غير الأحوال المرخص بها قانونا، وكان ذلك بقصد الاتجار أو ترويجها، وكل من زرع أو صدر أو جلب نباتاً من النباتات المخدرة في أي طور من أطوار نموها هي أو بذورها في غير الأحوال المرخص بها قانوناً، وكان ذلك بقصد الاتجار بها أو ترويجها.
ورغم أن القبض على (م. ع. ن) وإدانته بالإعدام يمثل ضربة قاصمة لهذه الشبكة الإجرامية العابرة للحدود، يؤكد جهاز مكافحة المخدرات أن المهمة لم تنتهِ بعد، حيث سيستمر في تعقب باقي خلايا التوزيع الداخلي وتفكيكها.
كانت هذه القضية والحكم الذي أصدرته محكمة جنايات بنغازي، برأي المراقبين، رسالة مزدوجة، كشفت قدرة الأجهزة الأمنية الليبية المختصة على اختراق شبكات التهريب الإجرامية، وحرص السلطة القضائية على تطبيق نصوص القانون ليكون سيفا مسلطا على رقاب كل من تسول له نفسه العبث بأمن الوطن وتدمير صحة أبنائه.
وتشير الأرقام الرسمية إلى تنامي تجارة المخدرات وتعاطيها في ليبيا بشكل كبير خاصة خلال السنوات الـ 10 الماضية، ورغم جهود السلطات المختصة في كشف عصابات التهريب والتجار والمروجين في السوق المحلي وضبط كميات كبيرة من المواد المخدرة، إلا أن المراقبين يعتقدون أن الكميات المتسربة للسوق الليبي قد تكون ضعف المضبوطات. (الأنباء الليبية) س خ.
-متابعة: هدى الشيخي
