بنغازي 15 يونيو 2025 (الأنباء الليبية) -في مجتمع يشتهر بالتواصل والدفء الأسري، بدأت تظهر ظاهرة دخيلة تعرف بـ”العزلة الاجتماعية داخل الجماعة”، حيث يختار بعض الأفراد الانسحاب من التفاعل رغم وجودهم الجسدي بين الناس. إنها وحدة من نوع آخر، تتوارى خلف الضجيج وتُخفي قصصا لم تحك بعد، وتستدعي وقفة وقراءة معمقة.
-عزلة لا تُرى بالعين
ليست العزلة دوما انسحابا ماديا عن الناس، بل قد تنشأ وسط البيوت، فاطمة، شابة عشرينية، تجسّد هذا النوع من “العزلة العائلية”، حيث يعيش المرء محاطا بأقاربه دون أن يشعر بالدفء أو القرب، حيث تتكرر اللقاءات اليومية دون أثر عاطفي، فالكلمات قليلة، والتفاعل سطحي، والانتماء مهدد.
وتشير هذه الظاهرة إلى تغير في ديناميكية العلاقات داخل الأسرة الليبية، حيث لم يعد القرب المكاني كافيا لخلق الأمان أو بناء الحميمية، كثيرون باتوا يعيشون غرباء في منازلهم، يلجؤون إلى الصمت تجنبا للخذلان، فيتحول الصمت إلى جدار لا يكسر.
-جذور نفسية وتربوية
يرى الأخصائي النفسي خالد عطية أن العزلة تبدأ غالبا من الطفولة، حين تتسرب مشاعر الانكسار وعدم الأمان بسبب بيئة أسرية مضطربة. التفرقة بين الأبناء، الخلافات الزوجية، والافتقار إلى الحنان، كلها تصنع أفرادا غير قادرين على بناء روابط صحية.
كما يحمل عطية التقنية الحديثة جانبا من المسؤولية، إذ بات كل فرد في الأسرة يعيش في جزيرته الرقمية الخاصة، بينما تغيب المرجعية الدينية والوجدانية التي كانت سابقا تعزز صلة الرحم وتُرسّخ المسؤولية الاجتماعية. النتيجة: عائلات متباعدة رغم وجودها تحت سقف واحد.
-العزلة خلف الأبواب المغلقة
خلف الأبواب المغلقة، هناك قصص لا تروى: فتاة لا تجد من يصغي، أم تنهكها المسؤوليات، طفل يعاقب على تعبيره عن ذاته، وأب ينهار بصمت.
يقول الأخصائي خالد عطية: إن العزلة في كثير من الحالات ليست خيارا بل رد فعل على جرح نفسي قديم، غالبا ما يتطور دون وعي.
هذا النوع من الانطواء قد يبدو عاديا في ظاهره، لكنه يحمل مؤشرات مقلقة على المدى البعيد، مثل الاكتئاب، تراجع الأداء الدراسي أو المهني، وفقدان الحافز للحياة. لذا، لا يجب التعاطي معها كظاهرة هامشية بل كحالة اجتماعية تتطلب تدخلا واعيا.
-نحو مواجهة الظاهرة
لمواجهة العزلة المجتمعية، يدعو عطية إلى حزمة إجراءات عملية، تبدأ بتكثيف الوعي في المدارس والجامعات حول أهمية التفاعل، وتوفير جلسات دعم نفسي فردية وجماعية، إلى جانب إدماج الخطاب الديني الوجداني في المنابر والإعلام.
ويقترح فتح مكاتب مختصة للدعم الأسري والنفسي، تضمن الخصوصية وتقدم حلولا فاعلة، كما يسلط الضوء على أهمية التفاصيل اليومية الصغيرة، مثل مشاركة وجبة، أو سؤال بسيط، لأنها تحدث فرقا حقيقيا يقول: “أحيانا، مجرد نظرة دافئة أو كلمة حانية قد تنتشل إنسانا من عزلته”. (الأنباء الليبية) س خ.
-متابعة: حنان الحوتي