طرابلس 25 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية) – أكد رئيس قسم التفتيش القضائي بمكتب المستشار النائب العام، المشارك في الإشراف على الدورة الثالثة لمعرض النيابة العامة الدولي للكتاب، الدكتور خليفة عاشور، أن نشر الثقافة القانونية والعلمية يمثل أحد الأبعاد المهمة لدور النيابة العامة في المجتمع، مشددا على أن مسؤوليتها لا تقتصر على التعامل مع الجريمة بعد وقوعها، وإنما تمتد إلى التوعية بمخاطرها والعمل على الوقاية منها، وتعزيز السلوك المسؤول واحترام القانون.
وأوضح عاشور، في حديث لوكالة الأنباء الليبية (وال)، أن معرض النيابة العامة الدولي للكتاب يمثل فضاءً لتلاقي الثقافات والأفكار وتبادل الخبرات، وليس مجرد سوق لعرض الكتب وبيعها، مشيرا إلى أن تنوع فعاليات الدورة الثالثة واتساع موضوعاتها أتاحا فرصة لمناقشة قضايا قانونية وعلمية وثقافية ومجتمعية، وإبراز الموروث الثقافي الليبي وإسهامات الباحثين والمثقفين في مختلف المجالات.
وأشار إلى أن الرؤية التي تتبناها النيابة العامة في هذا المجال تنطلق من أهمية تعزيز حضور المعرفة في المجتمع، ولا سيما في ظل تطور أنماط الجريمة وظهور صور مستحدثة منها، من بينها الجرائم الرقمية والإلكترونية والقرصنة، فضلا عن القضايا المتعلقة بالاعتداء على الأطفال وغيرها من المسائل التي تتطلب رفع مستوى الوعي المجتمعي.
وأضاف أن نشر المعرفة القانونية والعلمية، وتوعية المواطنين بمخاطر بعض السلوكيات ونتائجها، يمكن أن يساهما في الوقاية من الجريمة والحد من انتشارها، بما يعزز احترام القانون وصون الحقوق، ويدعم الأمن والسلم الأهلي. فالجريمة، بحسب رؤيته، لا تقتصر آثارها على الجانب الأمني أو القضائي، بل تمتد إلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتنعكس على استقرار الأفراد والمجتمع.
وفي هذا السياق، لفت إلى أن المستشار النائب العام أخذ على عاتقه، من خلال إنشاء مركز البحوث الجنائية والتطوير، الإسهام في نشر الثقافة القانونية والعلمية، انطلاقا من قناعة بأن النيابة العامة جزء من المجتمع، تتأثر بما يشهده من تحولات وتؤثر فيه من خلال أداء رسالتها في إرساء العدالة، ونشر الوعي، والمساهمة في الوقاية من الجريمة وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
المعرض.. من عرض الكتب إلى تلاقي الثقافات
وفي تقييمه للدورة الثالثة، رأى عاشور أن انعقادها يمثل في حد ذاته مؤشرا على استمرار التجربة وتطورها، بعد أن لاقت الدورتان الأولى والثانية قبولا لدى المثقف والكاتب الليبيين، ووفرتا مساحة للقاء وتبادل الرؤى والأفكار.
وأوضح أن من أبرز إيجابيات الدورة الحالية زيادة عدد الدول المشاركة ودور النشر، إلى جانب تنوع الحوارات الثقافية وورش العمل، وحرص القائمين عليها على انتقاء موضوعاتها وفق أسس علمية، وتنظيمها على مدار اليوم، بما أتاح للمشاركين والزوار فرصا متعددة للاستفادة من الأنشطة المصاحبة.
وأضاف أن اجتماع أدباء ومفكرين ليبيين وعرب في مكان واحد أوجد فرصة لتبادل التجارب وفتح مساحات للحوار، وأسهم في تعزيز الوعي الثقافي والقانوني لدى الحضور. كما تنوعت موضوعات الفعاليات لتشمل قضايا الطفل والمرأة والقانون والثقافة والطب والغذاء والقرآن الكريم، إلى جانب التعريف بالموروث الثقافي الليبي ومناقشة موضوعات أخرى تتصل بحياة المواطن واهتماماته.
وأشار إلى أن المعرض شكّل مناسبة ثقافية جامعة، استقطبت أسرا ليبية وزوارا من فئات واهتمامات مختلفة، فيما اضطلعت وسائل الإعلام بدور في تغطية الحدث ونقل فعالياته إلى الجمهور، بما أتاح إبراز جوانب من الحراك الثقافي في البلاد.
وأكد أن الرسالة التي يسعى المعرض إلى إيصالها تتمثل في إبراز عراقة ليبيا وامتداد جذورها الثقافية والحضارية، وقدرتها على احتضان الفعاليات العلمية والثقافية وتنظيمها رغم التحديات والظروف التي تمر بها. فالمعرض، وفقا لعاشور، لا يقتصر على بيع الكتب، بل يتيح أيضا التعريف بالموروث الثقافي الليبي وإبراز إسهامات الأساتذة والباحثين في مجالات متعددة، من العلوم والتقنيات الرقمية إلى الدراسات القانونية ومكافحة الجريمة.
ولفت إلى ما تتيحه هذه التظاهرة من فرص لإبراز إسهامات المؤسسات الليبية، وما يمكن أن تقدمه من رؤى ومبادرات داعمة للتطور العلمي والثقافي.
ومع ما سجله من إيجابيات، لم يغفل عاشور الإشارة إلى تحديات تواجه المعرض، في مقدمتها ضعف القدرة الشرائية لدى بعض المواطنين، بما يؤثر في قدرتهم على اقتناء الكتب وينعكس على حركة المبيعات لدى دور النشر. كما أشار إلى الحاجة إلى توسيع المشاركة الدولية في الحوارات الثقافية خلال الدورات المقبلة، بما يتيح حضورا أوسع للأدباء والمثقفين من مختلف البلدان، ويعزز تنوع التجارب والخبرات المتبادلة.
وأضاف أن القائمين على المعرض حرصوا على تنويع الحوارات وورش العمل لتشمل القضايا القانونية والثقافية والجرائم المستحدثة والمتطورة، غير أنه أكد تطلعه إلى تطوير هذا الجانب بصورة أكبر، بما يستجيب لاهتمامات المواطن الليبي واحتياجاته المعرفية والقانونية.
أسعار الكتب.. تحدٍّ يتطلب حلولا عملية
وتطرق عاشور إلى مسألة ارتفاع أسعار الكتب، التي أثيرت خلال المعرض باعتبارها من أبرز الصعوبات التي تواجه الطلبة والشباب وبعض الفئات الراغبة في اقتناء الإصدارات، موضحا أن هذه المسألة لا تقتصر على المعرض الليبي، وإنما تُطرح في معارض الكتب العربية والأوروبية أيضا، في ظل ارتفاع تكاليف الورق والأحبار والطباعة والنقل والشحن، وما يرتبط بها من تغيرات في الأسعار والعرض والطلب.
لكنه أشار إلى أن الإشكالية في الحالة الليبية ترتبط أيضا بتراجع القدرة الشرائية للمواطن، وارتفاع تكلفة الحصول على العملة الأجنبية، الأمر الذي يحد من قدرة كثيرين على شراء الكتب التي يحتاجون إليها في دراستهم وأبحاثهم أو يرغبون في قراءتها.
ورأى أن القيمة العلمية للكتاب تظل مهمة بالنسبة إلى الطالب والباحث والأستاذ الجامعي، موضحا أن المعرض يتيح للمهتمين الحصول على مؤلفات من دور نشر مختلفة داخل ليبيا، بدلا من تحمل نفقات إضافية قد تترتب على السفر إلى الخارج لاقتناء الكتب، بما في ذلك تكاليف النقل والإقامة وغيرها من المصروفات.
وأشار إلى أن عددا من الناشرين قدموا تخفيضات على الأسعار، وأن الزيارات اليومية للأجنحة أظهرت وجود تخفيضات معلنة بلغت في بعض الحالات 40 إلى 50 في المائة، غير أن هذه التخفيضات لم تمنع بقاء أسعار بعض الإصدارات مرتفعة بالنسبة إلى فئات من القراء.
وأكد عاشور أن الإنفاق على العلم والكتاب يمثل استثمارا في المستقبل، لما يوفره من معرفة وفائدة للقارئ وأسرته وأطفاله، لافتا إلى أن بعض الكتب قد تتضمن معلومات يحتاج إليها الطالب أو الباحث لاستكمال دراسته أو بحثه العلمي. ومع ذلك، فإن القيمة العلمية للكتاب، بحسب ما أوضح، لا تلغي ضرورة البحث عن حلول عملية تجعل اقتناءه في متناول مختلف فئات المجتمع، ولا سيما الطلبة والشباب.
مكتبات جامعية وقسائم للشراء ودعم للباحثين
وفي ما يتعلق بالحلول الممكنة لتيسير الوصول إلى الكتاب، شدد عاشور على أهمية الدعم الحكومي والمؤسسي، داعيا إلى تطوير آليات تضمن توفير المراجع والمصادر العلمية للطلبة والباحثين، بدلا من أن يتحمل كل باحث بمفرده تكلفة اقتناء الكتب التي يحتاج إليها.
واقترح في هذا السياق إنشاء مكتبات علمية متخصصة داخل الجامعات والأكاديميات ومراكز البحوث، وتزويدها بالكتب والمراجع الضرورية، بما يتيح للدارسين الوصول إلى المعلومات حتى عندما يتعذر عليهم شراء الإصدارات بسبب ارتفاع أسعارها.
وأشار إلى أن مكتب النائب العام بادر، خلال الدورتين الأولى والثانية للمعرض، إلى شراء عدد كبير من الكتب وتوزيعها على الجامعات، في خطوة هدفت إلى دعم المكتبات ومراكز البحوث وتوفير مصادر معرفية يستفيد منها الطلبة والباحثون.
وأعرب عن تطلعه إلى توسيع هذه المبادرات من خلال دعم المؤسسات الحكومية والجامعية، وتقديم تخفيضات خاصة للطلبة، أو اعتماد قسائم لشراء الكتب، أو تخصيص مساعدات للباحثين الليبيين، ولا سيما طلبة الماجستير والدكتوراه، حتى يتمكنوا من اقتناء المراجع التي تتطلبها دراساتهم.
كما طرح إمكانية توجيه جزء من الدعم المخصص للعملية التعليمية إلى توفير الكتب والمصادر العلمية، بدلا من اقتصار الدعم على الرسوم والنفقات الدراسية التقليدية، بما يفتح أمام الطلبة والباحثين فرصا أوسع للاستفادة من المعارض ودور النشر.
ولفت عاشور إلى أن هذه المبادرات يمكن أن تحقق فوائد تتجاوز الجانب التعليمي؛ إذ تسهم استضافة دور النشر في ليبيا في تنشيط حركة اقتصادية تشمل الإقامة والنقل والمبيعات والخدمات المرتبطة بالمعرض. ومن ثم، يمكن أن تتحقق مصلحة متبادلة يحصل بموجبها الطالب على الكتاب بسعر ميسّر، ويجد الناشر سوقا تستوعب إصداراته، وتستفيد المؤسسات التعليمية من مصادر علمية تعزز قدراتها البحثية.
ورأى أن ترسيخ هذه الآليات من شأنه أن يعزز ثقافة القراءة، ويوسع علاقة الأجيال الجديدة بالكتاب، ويجعل المعرفة أقرب إلى من يحتاجون إليها في دراستهم وتكوينهم العلمي.
من توسيع المشاركة إلى انتقاء الإصدارات النوعية
وبشأن مستقبل المعرض، أوضح عاشور أن التوجه في الدورات المقبلة ينبغي أن يقوم على مزيد من التخصص والدقة في اختيار دور النشر والإصدارات، مع إعطاء الأولوية لقيمة الكتاب العلمية والمعرفية، وليس للاهتمام بعدد العناوين وحده.
وأشار إلى أهمية توسيع مشاركة دور النشر التي تقدم مؤلفات علمية متخصصة، ولا سيما في مجالات الطب والصحة والكيمياء والرياضيات والحاسوب والتحول الرقمي، بما يتيح للباحث الليبي الاطلاع على مصادر معرفية متقدمة والاستفادة منها.
وأعرب عن اعتزازه بمشاركة دور نشر مرتبطة بجامعات ومؤسسات علمية من دول، من بينها بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، وما أتاحته هذه المشاركات من كتب وإصدارات يمكن أن تفيد الباحثين والدارسين في ليبيا.
وأضاف أن التركيز في المرحلة المقبلة سيكون على انتقاء العناوين ذات القيمة العلمية، وتطوير محتوى المعرض بما يستجيب لاحتياجات الطلبة والأساتذة والباحثين. ورأى أن التجربة مرت بمراحل متدرجة؛ إذ مثّلت الدورة الأولى تحديا لإطلاق التجربة وإثبات إمكانية تنظيمها، واتجهت الدورة الثانية إلى الانتقاء والتطوير، بينما تشكل الدورة الثالثة خطوة نحو ترسيخ المعرض وتثبيت حضوره، على أن تتجه الدورات المقبلة بصورة أكبر إلى التخصص والتركيز على المحتوى النوعي والتجارب العلمية المفيدة.
وأكد أن نجاح المعرض لا يُقاس بعدد الكتب والعناوين وحده، وإنما بقيمتها العلمية، ومدى قدرتها على تلبية احتياجات القارئ الليبي، والإسهام في تطوير البحث العلمي والتعليم، وتيسير الوصول إلى المعرفة الدقيقة والموثوقة.
الفعاليات المصاحبة.. قيمة تتجاوز أجنحة الكتب
وفي ختام حديثه، توقف عاشور عند الدور الذي تضطلع به الندوات والحوارات وورش العمل المصاحبة للمعرض، معتبرا أنها تمثل جزءا أساسيا من قيمته العلمية والثقافية، لما تتيحه من فرص للتواصل بين الباحثين والمثقفين والمهتمين بمختلف مجالات المعرفة.
وأوضح أن تنوع الفعاليات، التي شملت موضوعات قانونية وثقافية واجتماعية وعلمية، يؤكد أن المعرض ليس سوقا للكتاب فحسب، بل فضاء للحوار وتبادل الخبرات والأفكار، يمكن أن تستفيد منه شرائح متعددة من المجتمع.
وأعرب عن تقديره لجهود وسائل الإعلام التي أسهمت في تغطية التظاهرة ونقل فعالياتها إلى الجمهور، معربا عن أمله في أن تتسع مشاركة الوزارات والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية في مثل هذه المبادرات، وألا يقتصر أثر الحوارات وورش العمل على أيام المعرض، بل يمتد إلى برامج توعوية وثقافية متواصلة.
واختتم بالتأكيد على أن تكامل جهود المؤسسات المعنية يمكن أن يسهم في تعزيز الوعي المجتمعي، وترسيخ العدالة والسلم الأهلي، ودعم التنمية الاقتصادية المستدامة، والارتقاء بالمستوى العلمي والثقافي، بما يلبي تطلعات الليبيين إلى مزيد من الأمن والاستقرار والتقدم.
فالمراهنة، في جوهرها، لا تتعلق بإقامة معرض للكتاب فحسب، بل ببناء تقليد ثقافي وعلمي مستدام تتلاقى فيه المؤسسات والمثقفون والباحثون والقراء، ويصبح فيه الكتاب أداة للمعرفة، والوعي، والوقاية، والمشاركة في بناء المستقبل. (الأنباء الليبية)
متابعة – أميرة التومي
تصوير- إسماعيل الكوربو