بنغازي 21 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية)- تواجه منظومة المياه في بنغازي الكبرى تحديات تتجاوز انقطاع الإمدادات أو تراجع كمياتها، لتشمل تراجع جودة المياه الجوفية، وتقادم شبكات التوزيع، وتوقف بعض حقول الآبار، والحاجة إلى صيانة وتطوير منظومة النهر الصناعي، في ظل تزايد الطلب على المياه مع التوسع العمراني.
وتبرز هذه التحديات بصورة أكبر في المناطق المحيطة بمدينة بنغازي، حيث يعتمد كثير من السكان على المياه الجوفية لتلبية احتياجاتهم، ويلجأون إلى شراء مياه الشرب، في ظل صعوبات الحصول على إمدادات منتظمة تلبي متطلباتهم اليومية.
وتشير إفادات مختصين في قطاع المياه إلى ترابط هذه المشكلات، بدءاً من الضغوط على المخزون الجوفي، مروراً بكفاءة شبكات التوزيع ومحطات الضخ، وصولاً إلى الأعطال الكهربائية التي تؤدي أحياناً إلى توقف الآبار وتأثر تدفق المياه إلى المدن والمشروعات المستفيدة من النهر الصناعي.
مخزون جوفي تحت ضغط الاستهلاك
وقال المستشار بإدارة التخطيط بالشركة العامة لتحلية مياه البحر، محمد رزق أبوبكر، إن المياه الجوفية تمثل المصدر الأساسي للمياه في ليبيا، خاصة في المناطق الوسطى والجنوبية التي تعاني شح الأمطار، موضحاً أن معظم الاعتماد الحالي يقوم على خزانات مائية غير متجددة.
وأشار أبوبكر إلى أن القطاع الزراعي يستهلك نحو 78 بالمئة من إجمالي المياه الجوفية، مقابل 12 بالمئة للاستخدام الحضري و10 بالمئة للقطاع الصناعي، لافتاً إلى أن التوسع الزراعي غير المنظم، والحفر العشوائي للآبار، والزيادة السكانية، تزيد الضغط على هذه الموارد.
وأوضح أن التعامل مع المياه الجوفية باعتبارها مخزوناً متاحاً للاستهلاك دون مراعاة حدود تجددها يضع استدامتها أمام تحديات متزايدة، في ظل تجاوز معدلات السحب معدلات التعويض الطبيعي بفارق كبير.
وأضاف أن هذا الاختلال أسهم في تراجع نوعية المياه وارتفاع ملوحتها في مناطق عدة، بينها بنغازي والجبل الأخضر، محذراً من أن التدهور التدريجي قد لا يحظى بالاهتمام الكافي، رغم ما يمكن أن يتركه من آثار طويلة المدى تتجاوز مشكلة انقطاع المياه لفترات محدودة.
شبكات متقادمة وآبار خارج الخدمة
وعلى مستوى التوزيع داخل المدينة، قال المهندس محمد المشيطي، من الشركة العامة للمياه والصرف الصحي بإدارة خدمات بنغازي، إن المدينة تواجه مشكلات في شبكات المياه ومحطات الضخ وحقول الآبار، واصفاً واقع المياه والصرف الصحي بأنه “أزمة صامتة”.
وأوضح المشيطي أن شبكة المياه تجاوزت عمرها الافتراضي، وأن سوء استخدامها يؤدي إلى هدر كميات من المياه، مشيراً إلى وجود حقول آبار مهملة ومتوقفة عن العمل كان من المفترض أن توفر مصدراً إضافياً للإمدادات إلى جانب مياه النهر الصناعي، خاصة خلال فترات الأزمات.
وتبرز هذه المشكلات أهمية إعادة تأهيل الشبكات وصيانة محطات الضخ وإعادة تشغيل الآبار المتوقفة، بما يتيح الاستفادة من الموارد المتاحة ويحد من تأثر الإمدادات بالأعطال والطلب المتزايد.
النهر الصناعي.. احتياجات للصيانة والتطوير
ولا تقتصر احتياجات التطوير على شبكات التوزيع المحلية، بل تمتد إلى منظومة النهر الصناعي، التي تعتمد عليها بنغازي في توفير المياه، وتحتاج مكوناتها إلى أعمال صيانة مستمرة لضمان استقرار الإمدادات.
وقال مدير إدارة الصيانة بمشروع النهر الصناعي، منظومة توزيع بنغازي، المهندس محمد بوشعالة، إن نقص التمويل من أبرز الصعوبات التي تواجه أعمال الصيانة والتطوير، موضحاً أن المشروع نفذ خلال السنوات الماضية أعمالاً لصيانة المعدات الكهروميكانيكية وحفر الآبار وتوفير احتياجات المدن من المياه، رغم الظروف القائمة.
وأضاف أن المنظومة تحتاج حالياً إلى صيانة واسعة، وتطوير حقول الآبار، وصيانة أنابيب نقل المياه والخزانات، مشيراً إلى أن التوسع العمراني الذي شهدته بنغازي خلال السنوات الماضية لم يصاحبه تنفيذ مشروع لتوسعة محطة الضخ المسؤولة عن توفير كميات إضافية من المياه للمدينة.
وأشار بوشعالة إلى أن التعديات على المنظومة وحرم خطوط نقل المياه تزيد من صعوبة الحفاظ على بنيتها التحتية، وتشمل الاعتداء على المعدات والبناء فوق مسارات الأنابيب، إلى جانب التحديات الفنية والمالية.
وأكد أن معالجة هذه المشكلات تتطلب تحديد مسؤوليات الجهات المعنية، بما فيها الحكومة والبلديات وإدارة جهاز النهر الصناعي والجهات المختصة بالمياه، مشدداً على أهمية النظر إلى المشروع بوصفه أحد مكونات الأمن المائي في ليبيا، لما لاستمراره من أثر مباشر على استقرار المدن وحياة المواطنين.
أعطال الكهرباء وتأثيرها على الإمدادات
وتكشف بيانات أعلنها جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي عن تأثير الأعطال الكهربائية على تشغيل الآبار ومحطات الضخ، وما يترتب عليها من خفض الإمدادات المائية إلى المدن والمشروعات المستفيدة.
ففي 30 مايو 2026، أعلن الجهاز خروج الآبار العاملة في حقول السرير وتازربو والحساونة عن الخدمة نتيجة انقطاع الكهرباء عن مواقع المشروع، محذراً من احتمال تأثر الإمدادات المائية الموجهة إلى عدد من المدن والمشروعات الزراعية.
وفي 14 يوليو الماضي، أعلن الجهاز أن عطلاً كهربائياً في محولات محطة السرير الغربي أدى إلى خروج 92 بئراً عن الخدمة، قبل أن تبدأ الفرق الفنية إعادة تشغيلها تدريجياً عقب إصلاح العطل وعودة التيار الكهربائي.
وفي 18 يوليو، أفاد الجهاز بأن الإطفاء العام للكهرباء في المنطقة الشرقية أدى إلى انقطاع التيار عن حقول آبار السرير وتازربو ومحطة ضخ المياه في بنغازي، ما استدعى خفض الإمدادات المائية إلى بعض المدن والمشروعات الزراعية، حفاظاً على استقرار المنظومة ومنع تفريغ خط نقل المياه الرئيسي.
وتوضح هذه الوقائع أن استمرارية الإمدادات لا تعتمد على توافر المياه في الآبار وحده، بل ترتبط أيضاً بسلامة المعدات وكفاءة محطات الضخ واستقرار التيار الكهربائي اللازم لتشغيلها.
مليونا متر مكعب يومياً.. القدرة التصميمية للمنظومة
وصُممت منظومة السريرـ سرت وتازربو ـ بنغازي لنقل نحو مليوني متر مكعب من المياه يومياً من حقول الآبار إلى المدن والمناطق المستفيدة، عبر شبكة من خطوط النقل والخزانات ومحطات الضخ.
ويتطلب الحفاظ على كفاءة المنظومة التعامل مع مختلف مكوناتها بصورة متكاملة، من حماية المخزون الجوفي وصيانة الشبكات إلى إعادة تشغيل الآبار المتوقفة وتطوير محطات الضخ وخطوط النقل، وهي عناصر تؤثر مجتمعة في استمرارية الإمدادات وقدرتها على تلبية الاحتياجات.
كما تبرز أهمية الحد من هدر المياه والتعديات على البنية التحتية، وتحسين إدارة الموارد الجوفية وترشيد استهلاكها، بما يسهم في تخفيف الضغط على المصادر المتاحة وتعزيز قدرتها على تلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية.
وفي ظل هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى مواصلة أعمال الصيانة والتطوير، وحماية الموارد الجوفية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، بما يضمن معالجة المشكلات في مختلف مراحل منظومة المياه، من مصادرها إلى شبكات توزيعها، ويدعم استقرار الإمدادات في بنغازي والمناطق المحيطة بها. (الأنباء الليبية) ك و
تقرير: أحلام الجبالي