طرابلس 18 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية) – أطلقت الباحثة الأكاديمية بجامعة بيسكارا الإيطالية، ألفيرا ديانا، من معرض النيابة العامة الدولي للكتاب، دعوة لتجاوز إرث الماضي الاستعماري وتعزيز الترجمة بوصفها جسراً للتقارب بين الشعبين الليبي والإيطالي.
وعلى الرغم من الروابط التاريخية والجغرافية التي تجمع ليبيا وإيطاليا، فإن الأدب الليبي لا يزال محدود الحضور في المشهد الثقافي الإيطالي، في مفارقة تعكس -بحسب ديانا- تأثير عوامل تاريخية وثقافية أسهمت في إهمال هذا الأدب، وحصر صورة ليبيا في النفط والصحراء والهجرة، وصولاً إلى الإرهاب.
وتناولت الباحثة الإيطالية، في حديثها اليوم الأحد لوكالة الأنباء الليبية على هامش مشاركتها في الفعاليات الثقافية المعرض، واقع الأدب الليبي في إيطاليا وكيفية تلقيه لدى الجمهور، متوقفة عند العلاقة بين الذاكرة الاستعمارية والصورة النمطية، ودور الترجمة في تجاوز الحواجز الثقافية وإعادة اكتشاف التجربة الأدبية الليبية بتنوعها وثرائها.
وأوضحت أن الأدب الليبي ظل حتى بدايات الألفية الجديدة شبه غائب عن الاهتمام الأكاديمي الإيطالي؛ مشيرة إلى أن الدراسات المتاحة آنذاك كانت تركز بدرجة كبيرة على الكاتب إبراهيم الكوني، ولم يترجم له سوى عدد محدود جداً من الأعمال (من بينها روايتان)، وهو ما يعكس حجم التهميش الذي عانى منه هذا الأدب.
الماضي الاستعماري وأسطورة “الإيطاليون أناس طيبون”
وترى ديانا أن من أبرز أسباب هذا الغياب تجنب إيطاليا، على مدى سنوات طويلة، مواجهة ماضيها الاستعماري في ليبيا، والاحتماء بما يُعرف بأسطورة “الإيطاليون أناس طيبون”، التي أسهمت في ترسيخ تصور لدى قطاعات من المجتمع الإيطالي بأن الاستعمار الإيطالي كان أقل عنفاً من التجارب الاستعمارية الأوروبية الأخرى.
وأضافت أن عدداً من المؤرخين الإيطاليين بدأوا، منذ ثمانينيات القرن الماضي، في تفكيك هذه الصورة ومراجعة الرواية السائدة؛ ومن بينهم أنجيلو ديل بوكا، وسلفاتوري بونو، وفيديريكو كريسي، الذين تناولوا جوانب العنف والقمع والرقابة التي مارسها الاستعمار.
واستحضرت الباحثة تجربتها البحثية في كتابها عن صورة الإيطاليين في الأدب الليبي، موصحة أنها وجدت أوجه تشابه بين ما تناولته قصص ليبية كُتبت خلال ستينيات القرن الماضي عن المستعمرين، وما كشفته الدراسات التاريخية بشأن طبيعة الممارسات الاستعمارية، وهو ما يؤكد أهمية قراءة الأدب بوصفه مساحة لحفظ الذاكرة التاريخية.
من ليبيا المتنوعة إلى معادلة الصحراء والكوني
أما العامل الآخر الذي أسهم في محدودية حضور الأدب الليبي، فتراه الباحثة مرتبطاً بالصورة النمطية عن البلاد، والتي ظلت محصورة في النفط والصحراء الهجرة والأوضاع الأمنية.
وأوضحت أن هذا التصور أدى إلى تكريس معادلة تختزل ليبيا في الصحراء، والصحراء في الكاتب إبراهيم الكوني، الذي أصبح لسنوات طويلة الاسم الأكثر حضوراً لدى القارئ الإيطالي. وشددت على أن الأدب الليبي يتمتع بثراء وتنوع كبيرين، ويضم كتاباً وكاتبات يتناولون موضوعات وتجارب إنسانية واجتماعية متعددة لا تنعكس في الصورة الشائعة.
الترجمة جسر للتقارب بين الشعبين
وفي معرض حديثها عن سبل تجاوز هذا الواقع، أكدت الباحثة أن الترجمة تمثل أداة أساسية لتقريب الثقافات، مشيرة إلى أن عدد الروايات الليبية المترجمة إلى الإيطالية -بحسب حصرها- لا يتجاوز ست روايات إلى جانب عدد محدود من القصص، وهو حضور لا يتناسب مع حجم الإمكانات الإبداعية الليبية.
وأعربت عن أملها في أن تشهد السنوات المقبلة توسعاً في حركة الترجمة والدراسات الأكاديمية؛ بما يتيح للقارئ الإيطالي التعرف على تجارب جديدة، ويمنح الكتاب الليبيين فرصة أوسع للوصول إلى دور النشر والجامعات والفضاءات الثقافية الإيطالية.
وأكدت في ختام حديثها أن الروابط بين الشعبين قوية، وأن تعزيزها يتطلب جهداً ثقافياً متبادلاً يرتكز على كشف الحقائق التاريخية، وتجاوز الصور الجاهزة، وإتاحة المجال أمام المعرفة المتبادلة بعيداً عن الأحكام المسبقة. (الأنباء الليبية – طرابلس) أ د
حوار: أميرة التومي
تصوير: إسماعيل الكوربو