طرابلس 18 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية) – يفتح التوسع المتسارع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج النصوص الأدبية أسئلة متزايدة بشأن مستقبل الكتابة، وحدود الأصالة، ومكانة التجربة الإنسانية في تشكيل العمل الإبداعي، في وقت تتيح فيه هذه التقنيات إمكانات جديدة للكتّاب، مقابل مخاوف من تنميط اللغة وإشكاليات تتعلق بحقوق المؤلف وأخلاقيات النشر.
وفي هذا السياق، يرى الشاعر والكاتب الليبي، رامز رمضان النويصري، مدير ومشرف موقع “طيوب” الأدبي (الذي تأسس في سبتمبر 2000)، أن استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج النص الإبداعي بالكامل يمثل تحولاً جوهرياً في مفهوم الكتابة، بخلاف الاستعانة به في بعض مراحل العمل بوصفه أداة مساعدة للمبدع.
وأوضح النويصري، في حديث لوكالة الأنباء الليبية اليوم الأحد على هامش محاضرة تناولت مستقبل الكتابة الإبداعية في عصر الذكاء الاصطناعي، أن الكتابة في جوهرها محاولة لنقل التجربة الإنسانية والتعبير عنها، وتقديم صورة عن موقف أو حادثة، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يستطيع الحديث عن التجارب الإنسانية، لكنه لا يعيشها ولا يمتلكها بالطريقة التي يعيشها بها الكاتب ويعيد تشكيلها في نصه الإبداعي.
وأضاف أن خصوصية الكاتب لا تكمن في قدرته على صياغة الكلمات والجمل فحسب، بل في التجربة التي تقف وراء النص، والصورة التي يريد إيصالها إلى القارئ، والمعنى الذي يسعى للتعبير عنه من خلال رؤيته الخاصة للعالم.
الأصالة والتجربة الإنسانية
وفيما يتعلق بأصالة النصوص التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي، يتحفظ النويصري على وصفها بالأصالة الإبداعية بالمعنى المرتبط بالعمل الأدبي الإنساني، مستنداً إلى أن هذه النصوص تتشكل اعتماداً على معلومات ونصوص وتعبيرات تتعلم منها الأنظمة، ثم تعيد تركيبها وإنتاجها وفق الأنماط التي اكتسبتها.
وتعيد هذه المسألة طرح الفارق بين سلامة النص من الناحية اللغوية وقدرته على محاكاة الأساليب الأدبية، وبين امتلاكه تجربة خاصة ورؤية إنسانية تمنحانه العمق والخصوصية؛ فإتقان الصياغة لا يحسم وحده مسألة الأصالة، كما أن قدرة الآلة على إنتاج نص متماسك تفتح الباب أمام نقاش أوسع بشأن طبيعة الإبداع ومعاييره في العصر الرقمي.
فرص للكاتب ومخاطر التنميط
وعلى صعيد الفرص التي تتيحها هذه التقنيات أمام الكاتب العربي والليبي، يعتقد النويصري أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي دوراً مساعداً في مراجعة النصوص، ورصد مواطن الخلل والفجوات في بنائها، وتحسين جوانبها اللغوية، فضلاً عن تحويل المشاهد المكتوبة إلى صور، بما يتيح إمكانات إضافية في إعداد القصص المصورة والأعمال التي تجمع بين النص والصورة.
وفي المقابل، لا يرى النويصري أن هذه الأدوات تقدم حلاً مباشراً لمشكلات النشر الورقي التي تواجه الكاتب، وإن كانت تتيح مسارات مختلفة في مجال النشر الإلكتروني، الذي يوفر بدوره إمكانات أوسع للوصول إلى القراء.
أما بشأن اللغة العربية واللهجات المحلية، فيحذر من خطر النمطية التي قد تنتج عن اعتماد الأنظمة على أنماط لغوية متكررة، مشيراً إلى الحاجة لتطوير النماذج المستخدمة في التعامل مع العربية، ولا سيما فيما يتعلق بالاشتقاق وخصائص اللغة وتنوعاتها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة للكاتب الليبي الذي يستمد جانباً من خصوصية نصه من بيئته الاجتماعية والثقافية ومفردات الحياة اليومية وتعبيراتها المحلية. ومن ثم، فإن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي تظل مرتبطة بقدرته على مراعاة هذا التنوع، بدلاً من دفع الكتابة نحو قوالب موحدة قد تفقد النص بعض ملامحه الثقافية.
حقوق المبدعين وأخلاقيات الاستخدام
وفيما يخص حقوق الملكية الفكرية ونسب الأعمال إلى أصحابها، وصف النويصري القضية بالمعقدة في ظل الانتشار المتزايد لاستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج النصوص، مشيراً إلى أن بعض الجامعات وضعت بالفعل قيوداً ومواثيق تنظم استخدام هذه الأدوات، خاصة في الكتابة الأكاديمية.
ودعا المؤسسات الإعلامية ودور النشر بدورها إلى وضع مواثيق واضحة تنظم الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، وتحدد حدود مساهمته في إنتاج النصوص، بما يضمن قدراً من الشفافية ويحمي حقوق المبدعين.
وتبرز الحاجة هنا إلى قواعد تميز بين استخدام التقنية في المراجعة والتدقيق والمساعدة الفنية، وبين الاعتماد عليها في توليد النصوص ذاتها، مع توضيح طبيعة مساهمتها كلما كان ذلك ضرورياً، وعدم إغفال المسائل المتعلقة بحقوق أصحاب الأعمال التي تُستخدم في تدريب النماذج أو إعادة إنتاج محتوى مستمد منها.
أداة في يد المبدع أم منافس له؟
وعندما طُرح على النويصري السؤال المحوري بشأن ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيظل أداة في يد المبدع أم سيتحول تدريجياً إلى منافس له، أقرّ بإمكان تحقق الاحتمالين، موضحاً أن هذه التقنيات قد تتحول بالفعل إلى منافس في مجال الكتابة، بفضل قدرتها على الإنتاج السريع ومرونتها في التعامل مع أنماط متعددة من النصوص.
ويضع هذا التصور الكاتب أمام تحدٍ يتجاوز تعلم أدوات جديدة، ليبلغ إعادة التفكير في طبيعة العمل الإبداعي، وفي القيمة التي يضيفها الإنسان إلى النص من خلال خبرته وذاكرته وموقفه من الحياة والمجتمع.
ومع اتساع حضور الذكاء الاصطناعي في المجال الثقافي، لم يعد النقاش مقتصراً على إمكان استخدامه أو رفضه، بل أصبح متعلقاً بكيفية توظيفه، والضوابط التي تحكم عمله، وحدود الاعتماد عليه في إنتاج المعرفة والأدب.
وفي المحصلة، يبدو التحدي أمام الكاتب والمؤسسات الثقافية ليس في إيقاف التطور التكنولوجي -وهو أمر يصعب تصوره- وإنما في ضمان ألا تتحول سهولة إنتاج النصوص إلى بديل عن التجربة الإنسانية، وألا يصبح التفوق في السرعة والصياغة معياراً وحيداً للحكم على الإبداع؛ فبين قدرة الآلة على توليد الكلمات، وقدرة الإنسان على منحها معنى مستمداً من حياته وذاكرته وأسئلته، تبقى مساحة واسعة للنقاش حول مستقبل الكتابة، ودور المبدع في الحفاظ على خصوصية صوته وهويته الثقافية. (الأنباء الليبية – طرابلس) أ د