بنغازي 18 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية)- تواجه أسر الأطفال والشباب ذوي اضطراب طيف التوحد في ليبيا تحديات متواصلة لتوفير التشخيص والتأهيل المناسبين، في ظل ارتفاع تكاليف الخدمات، ومحدودية استيعاب المراكز العامة، وغياب برامج كافية تستوعب احتياجات الأبناء بعد تجاوز مرحلة الطفولة، إلى جانب نقص الإحصاءات الوطنية التي تحدد حجم الحالات واحتياجاتها.
وتختصر تجربة أسماء، وهي أم لشاب يبلغ من العمر ستة عشر عامًا، جانبًا من هذه المعاناة؛ إذ تقول إن تلقي خبر تشخيص ابنها كان صدمة صعبة، زادت من وطأتها قلة الإرشاد الأسري والمعلومات التي تساعد الوالدين على فهم الاضطراب والتعامل مع متطلباته.
وتشير أسماء إلى أن بعض الأسر تواجه التشخيص دون دعم نفسي أو توجيه واضح بشأن الخطوات التالية، ما يتركها عرضة للقلق والبحث عن حلول بديلة، في ظل انتشار معلومات غير دقيقة ومعتقدات تدفع بعض العائلات إلى اللجوء إلى ممارسات لا تستند إلى تقييم متخصص.
ولا تتوقف رحلة الأسرة عند التشخيص، بحسب أسماء، بل تمتد إلى توفير جلسات التأهيل وتكاليفها، وتدريب الأبناء على المهارات الحياتية الأساسية، مثل تناول الطعام واستخدام دورة المياه والتواصل مع المحيطين بهم، وهي احتياجات تختلف من حالة إلى أخرى وتتطلب متابعة مستمرة.
وتزداد الأعباء مع دخول الأبناء مرحلة المراهقة، إذ توضح أسماء أن عددًا من المراكز يرفض استقبال من تجاوزوا الثالثة عشرة من العمر، ما يضع الأسر أمام خيارات محدودة في مرحلة تتغير خلالها الاحتياجات السلوكية والنفسية والجسدية.
وتقول إن التعامل مع هذه المرحلة يصبح أكثر صعوبة عندما يكون الشاب غير ناطق ويواجه صعوبة في التعبير عن احتياجاته، مشيرة إلى أن بعض نوبات الغضب قد تتحول إلى سلوك مؤذٍ داخل الأسرة، وقد تعرضت هي نفسها لكسر في يدها خلال إحدى نوبات غضب ابنها.
كما تلفت إلى أن ضعف وعي المجتمع بطبيعة اضطراب طيف التوحد يضاعف الضغط على الأسر، بسبب الأحكام المسبقة ونظرات الاستنكار، الأمر الذي قد يدفع بعضها إلى تجنب المناسبات والأنشطة العامة. ويظل القلق بشأن مستقبل الأبناء، ومن سيتولى رعايتهم في حال غياب الوالدين، من أبرز المخاوف التي ترافق الأسر في ظل محدودية مؤسسات الرعاية والإيواء المتخصصة.
تشخيص دقيق أساس التأهيل
ويؤكد الأخصائي النفسي علاء الدين كويدر أن اضطراب طيف التوحد من اضطرابات النمو العصبي التي تظهر خلال مراحل النمو المبكرة، وتؤثر بدرجات متفاوتة في التواصل والتفاعل الاجتماعي، وقد ترتبط بأنماط سلوكية أو اهتمامات متكررة.
ويوضح أن كلمة «الطيف» تعكس اختلاف السمات والاحتياجات بين الأشخاص، لذلك لا يمكن اعتماد برنامج موحد لجميع الحالات، بل ينبغي أن يستند التدخل إلى تقييم متخصص يحدد المهارات التي يحتاج الطفل إلى تطويرها، سواء في التواصل والكلام أو السلوك أو المهارات اليومية والتعامل مع المؤثرات الحسية.
ويشير كويدر إلى أن بعض العلامات قد تصبح أكثر وضوحًا مع تقدم العمر، وقد يفقد بعض الأطفال مهارات اكتسبوها سابقًا، مؤكدًا أن ظهور علامة واحدة لا يكفي لتشخيص الاضطراب، وأن التقييم ينبغي أن يأخذ في الاعتبار نمو الطفل وسلوكه واحتياجاته.
ويضيف أن التأهيل الفعّال يبدأ بجلسات تقييم أولية، يعقبها برنامج فردي وتقارير دورية لقياس التقدم وتعديل التدخل وفق استجابة الطفل. ومن المؤشرات المهمة مدى اكتسابه مهارات تساعده على الاعتماد على نفسه في الأكل والشرب واستخدام دورة المياه والتواصل مع المحيطين به.
ويشدد على أهمية التدخل المبكر، لما يمكن أن يتيحه من تحسين مهارات التواصل والقدرات التكيفية والسلوكية، دون أن يعني ذلك وجود علاج شافٍ للاضطراب أو ضمان نتائج متطابقة لجميع الأطفال.
كما ينبه إلى ضرورة ملاءمة بيئة الدمج لاحتياجات الطفل وقدراته، موضحًا أن وجوده داخل مجموعة لا تتناسب مع احتياجاته لا يضمن استفادته، ما يستدعي تقييم البيئة والبرنامج التأهيلي بصورة مستمرة.
نقص البيانات وتفاوت الخدمات
من جانبه، يضع رئيس الهيئة الوطنية لعلاج وتأهيل أطفال التوحد، الدكتور فتحي الدايخ، غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة في مقدمة التحديات التي تواجه هذا الملف، موضحًا أن البيانات المتاحة لا تقدم صورة وطنية شاملة عن أعداد الحالات وتوزيعها، وهو ما يصعّب تحديد احتياجات المدن من المراكز والخدمات الصحية والتعليمية وبرامج الدعم.
ويشير الدايخ إلى أن محدودية استيعاب المراكز العامة تدفع أسرًا إلى اللجوء للمراكز الخاصة، التي تمثل تكاليفها عبئًا متزايدًا، لا سيما أن التأهيل قد يمتد فترات طويلة ويحتاج إلى برامج تتناسب مع تطور كل حالة.
ويحذر من أن غياب المعايير المنظمة للتشخيص والتأهيل قد يؤدي إلى تشخيص بعض الأطفال دون تقييم كافٍ، أو إدراجهم في برامج لا تتناسب مع احتياجاتهم، بما ينعكس على استفادتهم من الخدمات ويزيد من الأعباء المالية على أسرهم.
وقد لا تظهر آثار هذا الخلل في المراحل الأولى، لكنها تتضح أحيانًا مع دخول المدرسة، حين يواجه الطفل متطلبات تعليمية واجتماعية أكبر، أو حين يتبين أن المهارات التي اكتسبها خلال جلسات التأهيل لا تساعده بالقدر الكافي على التعامل مع مواقف الحياة اليومية.
ويؤكد الدايخ أن حماية الأسر من الإنفاق دون نتائج واضحة تتطلب وضع معايير للتشخيص، ومتابعة جودة خدمات المراكز العامة والخاصة، وتوفير معلومات واضحة لأولياء الأمور بشأن البرامج التأهيلية ومستوى تقدم أبنائهم.
أعباء تتجاوز كلفة الجلسات
ولا تقتصر معاناة الأسر على تكاليف التأهيل والتنقل بين المراكز، بل تمتد إلى تنظيم الحياة اليومية حول احتياجات الأبناء، وموازنة الرعاية مع العمل والالتزامات الأسرية، في ظل محدودية الخدمات المتخصصة.
وتشير أسماء إلى أن بعض الأسر تضطر إلى البحث عن خدمات خارج ليبيا عندما لا تجد البرامج المناسبة محليًا، فيما تظل القدرة المالية عاملًا مؤثرًا في إمكان الحصول على تلك الخدمات واستمرارها.
كما تبرز الحاجة إلى إرشاد أولياء الأمور وتوفير معلومات موثوقة تساعدهم على التعامل مع احتياجات أبنائهم، بدل تركهم أمام تجارب متفرقة أو وعود غير واضحة بشأن نتائج التأهيل.
ويرى المختصون أن دعم الأسرة ينبغي أن يكون جزءًا من منظومة الرعاية، من خلال توجيهها إلى أساليب التعامل المناسبة، ومتابعة تطور الطفل، وتوضيح أهداف البرامج ونتائجها، بما يساعد على استمرار التأهيل ويحد من الإحباط الناتج عن غياب التقدم المتوقع.
المراهقون والشباب خارج مسارات الرعاية
ومن أبرز الثغرات التي يشير إليها الدايخ محدودية المؤسسات والأندية والبرامج المخصصة للمراهقين والشباب ذوي طيف التوحد، رغم أن احتياجاتهم لا تنتهي ببلوغ سن معينة أو مغادرة مرحلة الطفولة.
ويحذر من أن غياب الخيارات المناسبة قد يترك بعض الشباب داخل المنازل دون أنشطة تساعدهم على تطوير مهاراتهم واستقلاليتهم، بما يزيد من احتمالات العزلة ويضاعف المسؤولية الواقعة على أسرهم.
وتتطلب معالجة هذه الفجوة، بحسب المختصين، توفير برامج للمهارات الحياتية والأنشطة الرياضية والاجتماعية، إلى جانب فرص التدريب والعمل الملائمة لمن تسمح قدراتهم بذلك، وتهيئة البيئات العامة لاستيعاب اختلاف الاحتياجات.
كما تبرز أهمية وضع أطر قانونية واجتماعية تدعم فرص المشاركة والتوظيف، وتوسيع الخدمات لتشمل مختلف مراحل العمر، بدل حصرها في المراكز المخصصة للأطفال.
أعداد محلية وحاجة إلى قاعدة بيانات وطنية
وفي ظل غياب إحصائية وطنية موحدة، تشير بيانات وإفادات محلية إلى تسجيل مئات الأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد في عدد من المدن الليبية.
وبحسب المعلومات الواردة من جهات محلية، يتجاوز عدد الحالات المسجلة في سبها أربعمائة حالة، فيما يبلغ العدد في درنة نحو خمسمائة حالة. وتشير البيانات كذلك إلى تسجيل خمس وثلاثين حالة في الكفرة، وست عشرة في مرتوبة، وتسع عشرة في أم الرزم، وواحد وثلاثين في القبة.
وفي مناطق أخرى، يتجاوز العدد التقديري في مركز التوحد بالجبل الأخضر مئة وسبعين حالة، بينما يسجل مركز أجدابيا نحو مئة وعشرين حالة أو أكثر، وتشير بيانات المجلس البلدي في طبرق إلى مئة حالة، فيما يتردد على مركزي التوحد في المرج نحو سبعين شخصًا.
وتظل هذه الأرقام مرتبطة بمراكز وجهات محددة، ولا تمثل إحصاءً وطنيًا شاملًا، كما قد تختلف طرق التسجيل والتشخيص بين منطقة وأخرى. وتبرز هذه الفجوة الحاجة إلى قاعدة بيانات دقيقة تساعد في تقدير حجم الاحتياجات وتوزيع الخدمات على نحو أفضل.
نحو منظومة مستمرة للرعاية
ويرى المختصون أن تحسين واقع خدمات التوحد في ليبيا يتطلب الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى منظومة وطنية تشمل توحيد معايير التشخيص والتأهيل، وتوسيع قدرة المراكز العامة، وتأهيل الكوادر المتخصصة، ومراقبة جودة الخدمات، إلى جانب تقديم الدعم والإرشاد للأسر.
كما يتطلب توفير برامج للمراهقين والشباب، وتهيئة المؤسسات التعليمية والأماكن العامة، وتطوير مسارات للأنشطة والتدريب والعمل تتناسب مع قدرات الأشخاص واحتياجاتهم.
وبالنسبة إلى أسر مثل أسرة أسماء، لا تنتهي الحاجة إلى الدعم عند تشخيص الاضطراب أو توفير جلسات التأهيل، بل تمتد إلى ضمان استمرارية الرعاية وإتاحة فرص التعلم والتواصل والمشاركة في المجتمع، حتى لا تتحمل الأسرة وحدها أعباء رحلة طويلة من المتابعة والتأهيل. (الأنباء الليبية) ك و
تقرير: سومة حرب