بنغازي 18 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية)- تواجه الأسر محدودة الدخل في ليبيا صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتها الأساسية مع ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، ما يعيد طرح دور الجمعيات الاستهلاكية وإمكانات الاستفادة منها في توفير السلع بأسعار مناسبة، إلى جانب الخيارات المتاحة أمام الدولة لضبط السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وتحاول إيمان محمد، وهي أم مطلقة تعول أربعة أبناء، تدبير احتياجات أسرتها اليومية بإمكانات محدودة، في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتزايد متطلبات المعيشة.
وقالت إيمان إن ارتفاع الأسعار جعل توفير الاحتياجات اليومية لأبنائها أكثر صعوبة، في ظل محدودية دخلها وتعدد متطلبات الأسرة، مضيفة أن تفعيل دور الجمعيات الاستهلاكية وتوفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة قد يساعد الأسر محدودة الدخل على تأمين احتياجاتها الضرورية.
وأعربت عن أملها في أن تتمكن من شراء الغذاء ومستلزمات أبنائها بأسعار تتناسب مع إمكاناتها المادية، في ظل الأعباء المتزايدة التي تواجهها الأسر في تلبية متطلباتها اليومية.
وتعيد هذه المطالب فتح النقاش حول آليات توفير السلع في السوق المحلية، ودور الدولة في ضبط الأسعار وضمان استقرار الإمدادات، ومدى جدوى قصر استيراد السلع الأساسية على الجهات العامة، إلى جانب دور الجمعيات الاستهلاكية في تعزيز الحماية الاجتماعية وتخفيف أعباء المعيشة.
بين تدخل الدولة ومخاطر الاحتكار
يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور حلمي القماطي، أن قصر استيراد السلع الأساسية على الدولة يمثل خيارًا تدخليًا قد يسهم في تعزيز الأمن الغذائي وخفض تكاليف التوريد، لكنه لا يشكل بالضرورة حلًا لارتفاع الأسعار، التي تتأثر بعوامل عدة، من بينها تكلفة النقد الأجنبي والأسعار العالمية والشحن والتخزين وكفاءة التوزيع ومستوى المنافسة في السوق المحلية.
وأوضح القماطي أن توحيد المشتريات الحكومية قد يحقق وفورات من خلال الشراء بكميات كبيرة، ويعزز القدرة التفاوضية مع الموردين الدوليين، غير أن احتكار الاستيراد في ظل ضعف الحوكمة والرقابة قد يؤدي إلى تركز القوة السوقية، وظهور ممارسات فساد في التعاقدات، وبطء الإمدادات، من دون ضمان انتقال الوفورات المحققة إلى المستهلك النهائي.
وأشار إلى أن المقاربة الأنسب للاقتصاد الليبي تتمثل في تدخل الدولة لضمان الإمدادات وتنظيم السوق، من دون اشتراط احتكارها جميع عمليات الاستيراد، وذلك عبر تحديد الاحتياجات الاستراتيجية وتأمين التمويل وتكوين مخزون احتياطي، وإجراء مناقصات تنافسية وشفافة، مع إتاحة التوريد والتوزيع للقطاع الخاص وفق ضوابط تحد من الاحتكار والتلاعب.
وأكد أن نجاح هذه السياسة يتطلب آلية مستقرة لتمويل الواردات، ورقابة مستقلة على التكاليف بدءًا من الموانئ وصولًا إلى المستهلك، إلى جانب نظام دوري لمتابعة الأسعار والمخزونات، وتقييم أثر التدخل على المالية العامة والقدرة الشرائية للمواطنين.
وشدد القماطي على أهمية اختيار النموذج الذي يحقق أقل تكلفة اقتصادية وأعلى موثوقية للإمدادات، مقترحًا تطبيق نموذج تجريبي على مجموعة محددة من السلع الأساسية، ومقارنة نتائجه بتكاليف الاستيراد التنافسي قبل تعميمه، للتأكد من أن تدخل الدولة يؤدي فعلًا إلى خفض الأسعار، لا إلى إنشاء احتكار جديد أو تحميل الميزانية العامة أعباء إضافية.
الجمعيات الاستهلاكية والحماية الاجتماعية
من جانبه، قال وزير الشؤون الاقتصادية السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار، الدكتور سلامة الغويل، إن الجمعيات الاستهلاكية تمثل إحدى الأدوات التي يمكن للدولة الاستعانة بها لحماية المجتمع من الاحتكار والاستغلال، موضحًا أن دورها لا يقتصر على توفير السلع، بل يمتد إلى إتاحة الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية بأسعار مناسبة، وتقليص حلقات الوساطة والمضاربة التي تزيد الأعباء على المواطنين.
وأوضح الغويل أن إعادة تنظيم الجمعيات الاستهلاكية وتطويرها، وربط منظومتها بقاعدة بيانات الرقم الوطني، يمكن أن يسهم في ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وتحسين عدالة توزيع السلع، وتعزيز الرقابة على الأسعار والجودة، والحد من التلاعب والإهدار.
وأضاف أن الجمعيات الاستهلاكية ينبغي أن تعمل بصورة متكاملة مع دور الدولة في الاستيراد والتخزين والتوزيع، ضمن منظومة تتسم بالشفافية وتخضع للمساءلة، بما يدعم الأمن الغذائي والدوائي ويعزز كفاءة إيصال السلع إلى المستهلكين.
وأشار الغويل إلى أن لجنة من مجلس المنافسة ومنع الاحتكار وحماية المستهلك تعمل على إعداد مشروع قانون للأمن الغذائي والدوائي، تمهيدًا لتقديمه إلى مجلس النواب خلال أسبوع لدراسته، بهدف إلزام السلطات التنفيذية بتحمل مسؤولياتها في حماية الأمن الغذائي والدوائي.
حماية القدرة الشرائية
وتتباين المقترحات بشأن آليات تدخل الدولة في سوق السلع الأساسية، بين توسيع دورها في الاستيراد والتوريد، وتنظيم المنافسة والاستفادة من القطاع الخاص، إلى جانب تطوير الجمعيات الاستهلاكية باعتبارها إحدى الأدوات الممكنة لتوفير السلع بأسعار مناسبة.
وتظل فاعلية هذه الخيارات مرتبطة بقدرتها على ضمان توافر السلع واستقرار إمداداتها وخفض تكاليف وصولها إلى المستهلك، مع وجود رقابة تحد من الاحتكار والتلاعب، وتضمن ألا تتحول أعباء التوريد إلى ضغوط إضافية على المالية العامة.
وبالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل، لا تتعلق المسألة بمجرد توافر السلع في الأسواق، بل بقدرتها على شرائها وتلبية احتياجاتها اليومية، وهو ما يجعل حماية القدرة الشرائية مرتبطة بمدى نجاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية في تحقيق التوازن بين الأسعار المناسبة وكفاءة التوريد واستدامة الإنفاق العام. (الأنباء الليبية) ك و
أحلام الجبالي