بنغازي 17 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية)- ناقشت ندوة توعوية أُقيمت بقاعة وكالة الأنباء الليبية في مدينة بنغازي، تحت عنوان “لا للعنف ضد المرأة”، الآثار النفسية والاجتماعية للعنف ضد المرأة، وأسبابه وأشكاله المختلفة، وسبل الوقاية منه وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للنساء الناجيات.
ونُظمت الندوة بإشراف مكتب الثقافة والفنون بنغازي ومركز خليفة الفاخري الثقافي، بمشاركة عدد من المختصات في علم النفس والإرشاد النفسي والإعلام، بالتزامن مع اليوم العالمي للصحة النفسية، بهدف تعزيز الوعي بالظاهرة وفتح حوار مجتمعي حول تداعياتها وسبل الحد منها.
وأكد المشاركون أهمية تناول قضية العنف ضد المرأة بعيدًا عن إلقاء اللوم على الضحايا أو إصدار الأحكام بحقهن، مشددين على ضرورة ترسيخ قيم الرحمة والاحترام وحسن المعاملة داخل الأسرة، بما ينسجم مع تعاليم الدين الإسلامي.
وقالت مديرة مركز خليفة الفاخري الثقافي، التابع لمكتب الثقافة والفنون بنغازي، فوزية إدريس المجبري، إن تنظيم الندوة يأتي في إطار الدور التوعوي للمركز، في ظل ما يُتداول من قصص لنساء يتعرضن للعنف عبر وسائل التواصل الاجتماعي والبرامج المختلفة.
وأوضحت المجبري، في تصريح خاص لوكالة الأنباء الليبية، أن العنف يُمارس في كثير من الحالات داخل المحيط الأسري، وعلى يد أشخاص مقرّبين من المرأة، مثل الأب أو الزوج أو الأخ، معتبرة أن هذه الممارسات تتعارض مع القيم الدينية والاجتماعية الداعية إلى صون المرأة واحترامها.
وأضافت أن المركز استضاف مجموعة من المختصات النفسيات لمناقشة أسباب الظاهرة وآثارها، مبينة أن محاور الندوة ركزت على مفهوم العنف وانعكاساته على المرأة واستقرار الأسرة، إلى جانب بحث سبل تقديم المساعدة والدعم للمتضررات.
عوامل نفسية واجتماعية متداخلة
من جانبها، أكدت عضو هيئة التدريس بقسم علم النفس في كلية الآداب بجامعة بنغازي، الدكتورة نزيهة سليمان، أن العنف ضد المرأة يرتبط بعوامل نفسية واجتماعية متداخلة، قد تسهم في نشأته واستمراره داخل المجتمع.
وأوضحت سليمان أن العوامل النفسية تشمل الهشاشة النفسية، وسوء تأويل المواقف، والتأثر بتجارب الاضطهاد خلال الطفولة، فضلًا عن أنماط التنشئة والتربية التي قد تكرّس سلوكيات خاطئة.
وأضافت أن العوامل الاجتماعية ترتبط بدور الأسرة والمجتمع في تداول بعض الممارسات العنيفة واستمرارها، مشيرة إلى أن العنف لا يقتصر بالضرورة على ممارسات الرجل ضد المرأة، بل قد يصدر أحيانًا من امرأة تجاه أخرى.
وشددت على أن الحد من الظاهرة يتطلب تعزيز الوعي النفسي والاجتماعي ونشر التثقيف، مؤكدة أن تغيير السلوكيات المجتمعية يبدأ ببناء الوعي وترسيخ أساليب التعامل السليم مع الآخرين.
بدورها، عرّفت الأخصائية والمعالجة النفسية حنان سعود العنف ضد المرأة بأنه كل فعل أو سلوك يلحق بها أذى جسديًا أو نفسيًا أو اجتماعيًا أو لفظيًا، ويحد من حريتها وكرامتها.
وأكدت سعود أن العنف قد يترك آثارًا نفسية وفسيولوجية خطيرة على الضحايا، من بينها الاكتئاب والخوف الشديد واضطرابات النوم، وقد يؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس وصعوبة التعامل مع الآخرين.
وأشارت إلى أن العنف قد يقع داخل المنزل أو خارجه أو في بيئة العمل، وتتعدد أشكاله بين العنف الجسدي والنفسي والاقتصادي والإلكتروني واللفظي، بما في ذلك الابتزاز والاستغلال عبر منصات التواصل الاجتماعي، لافتة إلى أن الكلمات الجارحة قد تترك بدورها آثارًا نفسية مؤلمة.
وأوضحت أن المرأة التي تتعرض للعنف قد تمر بحالة من الضعف والاضطراب النفسي، ما يجعلها في حاجة إلى الدعم العاطفي والاحتواء والتفهم، بعيدًا عن الضغوط أو تحميلها مسؤولية ما تعرضت له.
وبينت أن مساندة المرأة المعنّفة تستلزم تكامل الأدوار الأسرية والتخصصية والقانونية، من خلال تفهّم ظروفها واحتوائها، والتعرف على طبيعة المشكلة التي تواجهها، إلى جانب توفير جلسات نفسية وإرشادية وعلاجية، واللجوء إلى الجهات القانونية ومراكز الشرطة، خاصة في حالات العنف الإلكتروني.
وحذرت سعود من توجيه عبارات اللوم إلى الضحية خلال تعرضها للصدمة، مثل “أنتِ السبب”، مؤكدة أن الاحتواء والتفهم يمثلان أساسًا لمساندتها ومساعدتها على تجاوز آثار العنف.
وتناولت جلسات الندوة عددًا من أشكال العنف، من بينها العنف النفسي والعاطفي، الذي قد يستنزف كرامة المرأة وثقتها بنفسها من دون أن يترك آثارًا جسدية ظاهرة، إلى جانب العنف اللفظي والتنمر والعنف الرقمي، بما يشمله من ابتزاز واستغلال لتقنيات الذكاء الاصطناعي وملاحقة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
كما ناقش المشاركون العنف الاقتصادي، المتمثل في السيطرة على أموال المرأة أو حرمانها من الإرث أو المرتب، والعنف الاجتماعي القائم على فرض العزلة والوصم السلبي، خاصة تجاه المطلقات والأرامل، وتقييد فرصهن في العمل والاستقلال.
وتطرقت النقاشات إلى مظاهر التهميش والعنف الناعم في بيئة العمل والشارع، ولا سيما في القطاع الطبي، وما قد تتعرض له المرأة من ضغوط تؤثر في حقوقها وفرصها المهنية.
وأشار المشاركون إلى التحديات المتعلقة بفرص الترقية والمشاركة في الدورات التدريبية والمؤتمرات، كما ناقشوا أشكالًا من المضايقات والغيرة التي قد تصدر أحيانًا من بعض النساء تجاه زميلاتهن في بيئة العمل.
ضغوط نفسية
وفي الجانب النفسي، أكدت سليمان أن السلوك العنيف يرتبط بعوامل متعددة، من بينها الشعور بالنقص والاضطرابات النفسية وأنماط التنشئة القائمة على تقليد السلوكيات الخاطئة.
ولفتت إلى أن الضغوط النفسية المتراكمة في أعقاب الحروب والأزمات الاقتصادية قد تسهم في تفاقم بعض السلوكيات العنيفة، مشددة على أهمية رفع الوعي النفسي وتعزيز قدرة المرأة المعنّفة على حماية نفسها والمطالبة بحقوقها.
وفي محور الإعلام والمؤسسات، شددت الكاتبة والصحفية حليمة حسن البرغثي على مسؤولية الإعلام في تناول قضايا النساء المعنّفات بوضوح ومهنية، ورفض المبررات التي تُستخدم لتسويغ الاعتداءات، داعية إلى تصحيح المعالجات الإعلامية لهذه القضايا.
وانتقدت البرغثي بعض الأعمال الدرامية التي تعرض مشاهد ضرب المرأة بأسلوب قد يساهم في تطبيع العنف أو تقديمه بصورة مقبولة، فيما دعا المشاركون إلى تعزيز دور الخطاب الديني في التوعية بمخاطر العنف ضد النساء والأطفال، وتناول القضايا الاجتماعية التي تمس الأسرة والمجتمع.
واختُتمت الندوة باستعراض عدد من المبادرات المحلية، من بينها مبادرة “مساحة وعي” التابعة لمكتب الثقافة والإعلام ببنغازي، التي تهدف إلى إبراز الكوادر النسائية، مع التأكيد على أهمية الوعي الديني والتصالح مع الذات ودعم دور الأسرة في حماية المرأة.
كما استعرض المشاركون نماذج إيجابية لدور الأب والأسرة في تشجيع البنات على التعليم والعمل والاستقلالية، باعتبار الدعم الأسري أحد العوامل المهمة في تعزيز قدرة المرأة على التعافي ومواجهة تحديات الحياة.
وأكدت الندوة في ختام أعمالها أهمية تكامل جهود الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية والجهات المختصة، لنشر ثقافة احترام المرأة ومناهضة العنف بأشكاله المختلفة، وتوفير بيئة آمنة تضمن للنساء الحصول على الدعم اللازم وصون كرامتهن وحقوقهن. (الأنباء الليبية)
متابعة: سلسبيل الورفلي
تصوير: دارين البركي