بنغازي 15 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية)– ما زالت شوارع بنغازي تحمل في ذاكرة من عاشوا سنوات القتال حكايات الفقد والصمود، فبين مبانٍ أُعيد إعمارها وطرق استعادت حركتها، تستحضر الذاكرة وجوه رفاق رحلوا ومواقف بقيت حاضرة رغم مرور السنوات.
ومن بين تلك الحكايات، يروي محمد أحمد العبدلي، البالغ من العمر خمسة وثلاثين عامًا، وأحد عناصر الدعم المركزي الذين تطوعوا خلال حرب الكرامة، جانبًا من تجربته في القتال، مستعيدًا ذكريات شقيقه الأكبر وليد، الذي استشهد برصاص قناص تابع لتنظيم داعش في الخامس والعشرين من أكتوبر عام ألفين وأربعة عشر، في حي الصابري الذي كان أحد أبرز محاور القتال.
ويقول العبدلي، بكل عفوية وصدق: “كلما مررت اليوم بشوارع بنغازي، أشعر أنني لا أسير وحدي، أرى وجوه رفاقي في كل زاوية، ومواقف عشناها وكنا فيها وجهًا بوجه مع الموت، أسمع أصواتهم تختلط بضجيج المدينة التي عادت إليها الحياة”.
ويضيف: “قد يظن الناس أن الحرب أصبحت جزءًا من الماضي، لكنها بالنسبة لي ما زالت حاضرة في كل شارع وكل مبنى وكل رصيف مررت به يومًا وأنا أحمل سلاحي”.
ذكريات لا تغادر المكان
ويستعيد العبدلي الأيام الأولى للقتال، حين فقد شقيقه الأكبر واضطرت أسرته إلى مغادرة منزلها عقب الجنازة مباشرة، وسط قصف الطيران وأصوات الرصاص والانفجارات التي كانت لا تتوقف.
ويقول: “كانت المدينة تعيش حالة من الخوف والترقب، لم أكن أعرف ما الذي ينتظرني في اليوم التالي، لكنني كنت أعلم أن عليّ أن أبقى صامدًا مهما كانت الظروف”.
ويتابع مستذكرًا أول موقع تمركز فيه: “أتذكر رائحة البارود، وصوت أجهزة الاتصال، ووجوه الجنود الذين كانوا يقفون إلى جانبي. كنا شبابًا نحمل أحلامًا بسيطة، لكننا وجدنا أنفسنا في قلب معركة كبيرة تدور في قلب المدينة وشوارعها التي ألفناها، حرب فرضتها الظروف ولم نسعَ إليها”.
ويؤكد العبدلي أن لكل شارع في بنغازي قصة لا ينساها؛ فهناك شارع شهد أول اشتباك خاضه، وآخر فقد فيه أحد أقرب رفاقه، ومبنى مهجور احتموا داخله لساعات طويلة بينما كانت المعارك تدور حولهم من كل اتجاه.
ويقول: “حتى اليوم أستطيع أن أحدد تلك الأماكن بدقة، وكأن الزمن توقف عندها”.
وعن رفاق السلاح، يستحضر العبدلي تفاصيل الحياة اليومية التي جمعتهم في مواقع القتال، قائلًا: “أتذكر الحدث بكل تفاصيله وكأنه حدث أمس. أكثر ما يرافقني من تلك الأيام هو وجوه رفاق السلاح، كنا نتقاسم الطعام القليل والماء القليل والخوف الكبير، كنا نضحك أحيانًا رغم كل شيء، ونحاول أن نمنح بعضنا القوة للاستمرار. بعضهم عاد إلى أسرته بعد انتهاء الحرب، وبعضهم بقي اسمه محفورًا في ذاكرتي إلى الأبد”.
ويصف لحظات الفقد بأنها الأصعب، موضحًا أنه لم يكن هناك وقت كافٍ للحزن، إذ كانوا يودعون رفيقًا سقط في الميدان ثم يعودون إلى مواقعهم لأن المعركة لم تكن تنتظر أحدًا، فيما ظل الألم يرافقهم في كل خطوة.
ورغم قسوة تلك الأيام، يتذكر العبدلي مواقف إنسانية منحته ورفاقه الأمل، من بينها دعوات الأمهات، وتلويح الأطفال لهم بعلامات النصر، والعائلات التي فتحت أبوابها للجنود وقدمت لهم الماء والطعام رغم ظروفها الصعبة.
وعن مشهد المدينة اليوم، يقول: “اليوم عندما أسير في هذه المدينة، أرى مباني أُعيد إعمارها وشوارع استعادت حركتها، لكنني أرى أيضًا ما لا يراه الآخرون، أرى مواقع الاشتباكات القديمة، وأتذكر الليالي الطويلة التي قضيناها فيها، وأسمع في مخيلتي أصوات رفاقي وهم ينادون بعضهم البعض وسط الدخان والرصاص”.
ويضيف: «لقد انتهت الحرب على الأرض، لكن تفاصيلها لم تغادر ذاكرتي. ما زلت أتذكر كل لحظة عشتها، وكل شارع عبرته، وكل موقف ترك أثرًا في نفسي. وما زلت أؤمن أن أعظم ما بقي من تلك السنوات ليس صوت المعارك، بل أسماء الرجال الذين وقفوا معًا في أصعب الظروف وكتبوا بدمائهم فصولًا من تاريخ وطنهم».
ويختصر العبدلي حكايته في تجربة جندي ما زال يحمل في جسده شظية قنبلة اخترقت عظام كتفه ويساره، وفي ذاكرته مدينة كاملة من الذكريات، يستحضر كل يوم وجوه رفاق رحلوا، فيما بقيت قصصهم تسير معه في شوارع بنغازي.
عدسة تحفظ ذاكرة التضحيات
ومن زاوية أخرى، يستعيد الصحفي والمصور محمد العزومي ذكريات القتال ضد الجماعات الإرهابية في بنغازي، مستحضرًا مواقف رجال خاضوا معارك كبيرة وصمدوا في محاور القتال حتى إعلان تحرير المدينة بالكامل.
ويقول العزومي إن ذكريات رفاق السلاح الذين شاركوه أيام القتال لا تغيب عن مخيلته، مشيرًا إلى أنه يحاول اليوم توثيق ما قدموه من خلال نشر مقاطع فيديو وصور تسجل المعارك التي شهدت انتصارات واستشهد خلالها عدد من رفاقه، فيما واصل آخرون الصمود حتى إعلان تحرير بنغازي بالكامل.
وأوضح أن الأرشيف المصور الذي يحتفظ به من فترة الحرب لم يُنشر منه سوى جزء محدود لا يتجاوز خمسة في المئة، فيما لا يزال الجزء الأكبر محفوظًا لديه، لافتًا إلى أنه استخدم جزءًا بسيطًا من هذه المواد في إعداد فيلم وثائقي عن حرب الكرامة، بلغت مدته ساعتين ونصف الساعة.
ويسترجع العزومي جانبًا من المعاناة التي رافقت تنقله خلال تلك الفترة، قائلًا إنه كان ينطلق من مدينة قمينس متجهًا إلى بنغازي عبر طريق طويل يمر بسلوق والأبيار، بعد إغلاق الطريق المباشر بين قمينس وبنغازي وتحوله إلى محاور للقتال ومواقع لتمركز القوات المسلحة.
ويضيف أن المواجهات كانت تشهد حالات كر وفر شبه يومية مع الجماعات الإرهابية، في ظل نقص الذخيرة والتموين، غير أن عزيمة الرجال وإصرارهم على مواصلة القتال والثبات ساهما في استمرارهم رغم صعوبة الظروف.
“راكم تنسوا حق الرجالة”
ومن بين المواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرته، يستحضر العزومي نداء القائد الميداني صالح عكة القابسي، الذي كان يوجهه عبر جهاز اللاسلكي قبل كل معركة، قائلًا: “راكم تنسوا حق الرجالة”.
ويقول العزومي إن كلمات القابسي بقي صداها حاضرًا في ذاكرته، قبل أن يستشهد القائد الميداني في منطقة الوشكة إثر هجوم بطائرة مسيّرة، مشيرًا إلى أن إحدى المعارك الكبرى، وهي معركة تحرير تيكة، سُمّيت “معركة حق الرجالة”، نسبة إلى النداء الذي كان يردده القابسي.
وبين الماضي والحاضر، يشير العزومي إلى التحول الذي شهدته الطرق والمناطق التي كانت مسرحًا للعمليات العسكرية، موضحًا أن الطريق الرابط بين بنغازي وقمينس أصبح اليوم ممهّدًا وآمنًا، وأن القرى الواقعة على امتداده تنعم بالاستقرار بعد سنوات من المواجهات والمعاناة.
ويؤكد أن ما تحقق من أمن واستقرار جاء نتيجة تضحيات أفراد القوات المسلحة والمتطوعين الذين شاركوا في عمليات تحرير البلاد، مشددًا على أن حفظ الذاكرة المصورة لتلك المرحلة ليس مجرد استعادة لأحداث مضت، بل توثيق لتجارب إنسانية ومواقف ستظل حاضرة في ذاكرة من عاشوها.
وبين شهادة العبدلي الذي ما زال يحمل آثار الإصابة والفقد، وأرشيف العزومي الذي يحتفظ بصور ومقاطع فيديو من ميادين القتال، تتواصل حكايات التضحيات التي شهدتها بنغازي؛ حكايات رجال غادر بعضهم الميدان، لكن أسماءهم ومواقفهم لا تزال حاضرة في ذاكرة رفاقهم، وشواهد مرحلة تركت أثرها في المدينة وأهلها. (الأنباء الليبية) ك و
متابعة: هدى العبدلي/ حنان الحوتي