بنغازي 10 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية)- مع بداية كل شهر، يجد مواطن مستأجر في بنغازي نفسه مضطرًا إلى توفير قيمة الإيجار، حتى لو كان ذلك على حساب احتياجات أسرته الأخرى. وبين نفقات الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، يتوزع دخل محدود لا يكاد يغطي الالتزامات الأساسية، فيما تضيق الخيارات بين مسكن يناسب إمكاناته وآخر يستنزف جزءًا كبيرًا من دخله.
ويروي المواطن، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، لوكالة الأنباء الليبية، أن الإيجار الشهري أصبح “العبء الأثقل الذي يلتهم الجزء الأكبر من الدخل المحدود”، موضحًا أن أسرته اضطرت إلى تقليص نفقاتها والاستدانة من الأقارب والأصدقاء لتغطية العجز المتكرر.
ويضيف أن هذه الضغوط دفعته إلى التفكير في الانتقال إلى مسكن أصغر أو أبعد عن العمل والخدمات، حتى إن بعض الخيارات تحتاج إلى الصيانة والتجهيز، فيما تزيد المسافة تكاليف التنقل، ما يدفع بعض أفراد أسرته إلى البحث عن أعمال إضافية لتغطية احتياجاتهم.
وفي رصد ميداني لأسعار الإيجارات في بنغازي، تراوحت إيجارات الشقق غير المفروشة بين 1,800 و2,500 دينار ليبي شهريًا، فيما تراوحت إيجارات الشقق المفروشة العادية بين 2,500 و4,500 دينار. وتختلف الأسعار بحسب موقع الشقة ومساحتها ومستوى تجهيزها، ولا تمثل هذه النطاقات متوسطًا رسميًا شاملًا لسوق الإيجارات في المدينة.
مكاتب الإيجار وأسباب ارتفاع الأسعار
وبحسب عدد من مكاتب الإيجار التي تحدثت إليها الوكالة، يرتبط ارتفاع الإيجارات بعدة عوامل، من بينها تراجع قيمة الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية، وما يصاحبه من ارتفاع في تكاليف المعيشة والبناء والتجهيز.
كما تعزو هذه المكاتب جانبًا من ارتفاع الأسعار إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب، في ظل تزايد الحاجة إلى المساكن مقابل محدودية الوحدات المتاحة. وتشير إلى أن النمو السكاني وانتقال عائلات نازحة أو عائدة إلى المدن الكبرى، إلى جانب وجود مهاجرين من دول الجوار، قد يزيد الضغط على سوق الإيجارات، مع الحاجة إلى بيانات أكثر تفصيلًا لتحديد حجم تأثير كل عامل.
كلفة البناء ونقص المعروض
ويربط الخبير الاقتصادي سليمان المغربي أزمة السكن في ليبيا، من بين عوامل أخرى، بتوقف مشروعات إسكانية منذ تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، مشيرًا إلى أن تعثر مشروعات الإسكان العام أسهم في استمرار الحاجة إلى وحدات تلبي احتياجات المواطنين.
ويوضح المغربي، في حديثه لـ(وال)، أن تكلفة الحصول على مسكن تشمل تجهيز الأرض وتوفير البنية التحتية، إلى جانب أسعار الإسمنت والحديد ومواد البناء وتكاليف الاستيراد وأجور العمالة، ما يزيد صعوبة امتلاك منزل بالنسبة إلى الشباب وأصحاب الدخول المحدودة.
ويرى أن تخفيف هذه الأعباء يتطلب توفير الأراضي والمرافق، واستكمال المشروعات المتعثرة، وتوجيه برامج الإسكان إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وفق آليات واضحة تضمن استفادتها من الوحدات المتاحة.
عقد الإيجار وحماية الحقوق
ولا يرتبط الاستقرار السكني بالقدرة على دفع الإيجار وحدها، بل يشمل أيضًا تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر وتحديد حقوق كل طرف والتزاماته.
وتقول المحامية نسمة العبيدي إن عقد الإيجار المكتوب يحدد حقوق الطرفين والتزاماتهما، ويساعد على الحد من النزاعات المتعلقة بقيمة الإيجار ومدة الانتفاع والإخلاء.
وتوضح لـ(وال) أن من حقوق المستأجر الحصول على مسكن صالح للغرض المتفق عليه، مقابل المحافظة على العقار وتسليمه مع مراعاة الاستهلاك المعتاد، مشددة على أهمية تحديد قيمة الإيجار ومدة العقد وشروط التجديد والصيانة بوضوح.
مشروعات إسكانية قيد التنفيذ
وفي إطار الخطط الإسكانية، تضمنت الاستراتيجية الوطنية للإسكان (2025–2030)، وفق المعلومات الواردة من وزارة الإسكان والتعمير بـ”حكومة الوحدة الوطنية”، توفير 150 ألف وحدة سكنية ميسورة التكلفة خلال خمس سنوات في كل من طرابلس وبنغازي وسبها، إلى جانب تطوير التخطيط العمراني والسجل العقاري الرقمي وتعزيز الإسكان الاجتماعي الميسر.
وفي بنغازي، أُعلن في نوفمبر 2024 عن مشروع إنشاء واستكمال 20 ألف وحدة سكنية غرب المدينة، بعد توقف استكماله عام 2011. وفي مايو 2025، أعلن صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بدء تنفيذ المشروع عقب استكمال الدراسات الفنية والهندسية واختيار الشركات المنفذة.
كما نص قرار مجلس الوزراء رقم (380) لسنة 2024 على نقل ملكية المشروع إلى صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، لاستكمال الإجراءات المتعلقة به وفق الدراسات المعتمدة.
وتوفر هذه المشروعات فرصة لتوسيع المعروض السكني، غير أن أثرها الفعلي على الأسر والشباب يظل مرتبطًا بتقدم التنفيذ ومواعيد التسليم وآليات تخصيص الوحدات وقيمتها، ومدى تناسبها مع دخول الفئات محدودة الدخل.
وبين أعباء الإيجار ومحدودية الخيارات، تبرز الحاجة إلى زيادة المعروض من الوحدات السكنية الملائمة لقدرات الأسر المالية، بالتوازي مع دفع المشروعات المعلنة نحو التنفيذ والتسليم، وتوفير بيانات أكثر تفصيلًا عن الإيجارات بحسب الأحياء ومساحات الشقق. ومن شأن هذه الخطوات أن تساعد على تكوين صورة أوضح عن واقع السوق، وتحديد مدى استجابة السياسات الإسكانية لاحتياجات المستأجرين والشباب الباحثين عن مسكن. (الأنباء الليبية)
تقرير: رهام العبيدي