بنغازي 10 أكتوبر 2026م (الأنباء الليبية) – أكد مختصون في علم النفس وعلم الاجتماع أهمية تعزيز برامج الوقاية من العنف الأسري، وتطوير آليات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين، مشيرين إلى أن آثاره لا تقتصر على الإصابات الجسدية، بل تمتد إلى الصحة النفسية والعلاقات الأسرية والتحصيل الدراسي والاستقرار الاجتماعي، الأمر الذي يستدعي تكامل جهود المؤسسات الصحية والتعليمية والاجتماعية والقانونية والإعلامية للحد من هذه الظاهرة وحماية أفراد الأسرة.
وأوضح المختصون أن العنف الأسري يشمل الاعتداء الجسدي والنفسي واللفظي والعاطفي والجنسي والاقتصادي، إضافة إلى الإهمال والسيطرة القسرية، مؤكدين ضرورة التمييز بين الخلافات الأسرية الطبيعية والممارسات التي تتضمن الإيذاء أو التهديد أو الإذلال أو إخضاع أحد الأطراف للطرف الآخر.
العنف الأسري.. قضية تتجاوز حدود المنزل
وقالت المرشدة النفسية حنان العبار إن الأسرة تمثل المؤسسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان القيم والسلوكيات، ويكتسب من خلالها الشعور بالأمان والانتماء، غير أن تحولها إلى بيئة يسودها الخوف أو الإيذاء ينعكس سلباً على الفرد والأسرة والمجتمع.
وأوضحت أن العنف الأسري لا يقتصر على الاعتداء الجسدي الظاهر، بل يشمل العنف النفسي والعاطفي واللفظي والاقتصادي، ومن صوره الإهانة والتهديد والحرمان المتعمد من الاستقلال المالي أو منع أحد أفراد الأسرة من العمل بقصد السيطرة عليه.
وأضافت أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى تدهور الصحة النفسية والجسدية للمتضررين، بمن فيهم الأطفال والنساء والرجال وكبار السن، مشيرة إلى أن استمرار العنف قد ينعكس على سلوك الأطفال وعلاقاتهم المستقبلية، ويزيد احتمالات تكرار أنماط التعامل العنيف في مراحل لاحقة من حياتهم، دون أن يعني ذلك أن كل طفل يتعرض للعنف سيصبح عنيفاً بالضرورة.
أسباب متعددة.. والمسؤولية لا تبرر الاعتداء
وأرجعت العبار أسباب العنف الأسري إلى مجموعة من العوامل، من بينها ضعف الوعي بأساليب التربية، وغياب الحوار، والاعتماد على الضرب والقمع لفرض السيطرة، إلى جانب الضغوط النفسية والاقتصادية المرتبطة بالبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأشارت إلى أن بعض المشكلات السلوكية، مثل تعاطي المخدرات والمواد المؤثرة في الوعي، قد تترافق مع زيادة احتمالات العنف أو حدته في بعض الحالات، لكنها لا تمثل تفسيراً وحيداً له ولا تبريراً لممارسته.
وأكدت أهمية تعزيز الوعي النفسي والأسري قبل الزواج وبعده، من خلال المحاضرات التوعوية والجلسات الإرشادية وبرامج تدريب الوالدين على التربية الإيجابية وإدارة الغضب وحل الخلافات، بما يساعد على الحد من الممارسات المؤذية داخل الأسرة.
وشددت على ضرورة اللجوء المبكر إلى المختصين النفسيين والاجتماعيين عند ظهور مؤشرات على تدهور العلاقات الأسرية، مع تعزيز دور المؤسسات التعليمية في توعية أولياء الأمور بآثار العنف وسبل التعامل السليم مع الأطفال.
الخلافات الأسرية والعنف.. اختلاف في طبيعة العلاقة
وفي توضيحها للفارق بين الخلافات الأسرية والعنف الأسري، بينت العبار أن الخلافات قد تنشأ بصورة طبيعية نتيجة اختلاف وجهات النظر والرغبات والاهتمامات بين الزوجين أو بين أفراد الأسرة، وقد تنتهي بالحوار أو التفاهم أو الاعتذار والوصول إلى حلول وسط.
وأضافت أن الخلاف يتحول إلى عنف عندما يتضمن الاعتداء أو التهديد أو الإذلال أو الإكراه بقصد إخضاع الطرف الآخر وإلحاق الضرر به، أو عندما يستخدم أحد الأطراف سلطته لفرض السيطرة وتقييد حرية الآخرين.
وأوضحت أن العنف قد يترك آثاراً نفسية واجتماعية طويلة الأمد، تشمل القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وتراجع الثقة بالنفس، وقد يؤثر في قدرة المتضررين على بناء علاقات مستقرة في المستقبل.
وحذرت من الاستهانة بالعنف اللفظي والنفسي بسبب عدم تركهما آثاراً جسدية ظاهرة بالضرورة، مؤكدة أن تقييم الحالات يستلزم النظر في طبيعة السلوك وتكراره وشدته والضرر الناتج عنه، وليس الاكتفاء بالخلافات أو المشادات العابرة.
علم الاجتماع.. العنف نتاج عوامل متداخلة
من جانبها، قالت عضو هيئة التدريس المتعاون بكلية الإعلام في جامعة بنغازي والحاصلة على الماجستير في علم الاجتماع، سالمين الفاخري، إن العنف الأسري يعد قضية اجتماعية وصحية تتجاوز آثارها حدود الأسرة، لتشمل الصحة الجسدية والنفسية للأفراد، واستقرار العلاقات الأسرية، والتنشئة الاجتماعية للأجيال الجديدة.
وأوضحت أن الأسرة ليست مجرد وحدة للسكن والمعيشة، بل هي المؤسسة الاجتماعية الأولى التي يتعلم فيها الإنسان القيم والمعايير، وتتكون داخلها أنماط التعامل مع الآخرين، مشيرة إلى أن تحولها إلى بيئة يسودها الخوف أو الإهانة أو الإكراه قد ينعكس على بقية أفرادها وعلى العلاقات الاجتماعية والتحصيل الدراسي والإنتاجية.
وأضافت أن تفسير العنف الأسري لا يمكن أن يستند إلى عامل واحد، إذ تتداخل في حدوثه أنماط التنشئة الاجتماعية، والعلاقات داخل الأسرة، والضغوط الاقتصادية، والمعتقدات الثقافية التي تبرر السيطرة، فضلاً عن مدى توافر الحماية والدعم والخدمات المتخصصة.
وأكدت أن التعرض للعنف في مرحلة الطفولة قد يسهم في تعلم أنماط سلوكية مؤذية، لكنه لا يعني بالضرورة انتقالها إلى الأجيال اللاحقة، إذ يمكن للتدخل المبكر والتربية الإيجابية والدعم النفسي والاجتماعي أن تساعد على كسر هذه الأنماط.
وشددت على أن معالجة الظاهرة تتطلب الانتقال من الاكتفاء بإدانة العنف إلى فهم أسبابه وتحليل آثاره، وتطوير استراتيجيات متكاملة للوقاية والحماية والعلاج والمساءلة.
أنواع العنف.. أشكال ظاهرة وأخرى خفية
وأوضحت الفاخري أن العنف الأسري يتخذ أشكالاً متعددة، بدءاً من العنف الجسدي الذي يشمل الضرب والصفع والركل والخنق والحرق وإحداث الجروح والكسور وتتراوح آثاره بين الإصابات البسيطة والمضاعفات الخطيرة، مروراً بالعنف النفسي والعاطفي الذي يتضمن التهديد والتخويف والإذلال والسخرية المتكررة والتحكم في القرارات، وصولاً إلى العنف اللفظي الصريح كالسب والشتم والصراخ المهين والعبارات الجارحة.
وأضافت أن العنف الاقتصادي يمثل أيضاً أحد أشكال السيطرة، وذلك عندما يُستخدم المال كوسيلة للتحكم في أفراد الأسرة كالحرمان العمد من الاحتياجات الأساسية أو منع العمل، بالإضافة إلى العنف الجنسي والإهمال الأسري في تقديم الرعاية الأساسية، وصولاً إلى العنف الرقمي المتمثل في المراقبة القسرية للهواتف والحسابات الإلكترونية والتجسس والتهديد بالمعلومات الخاصة.
وأكدت ضرورة مراعاة الفروق بين الحالات، خصوصاً عند التعامل مع الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة الذين يعتمدون على الآخرين في تلبية احتياجاتهم اليومية، مع التمييز الدقيق بين الإهمال المتعمد والعجز المادي الناتج عن الفقر أو المرض.
آثار صحية ونفسية قد تمتد لسنوات
وأشارت الفاخري إلى أن آثار العنف الأسري تختلف باختلاف طبيعة الاعتداء وشدته ومدته، وقد تشمل الإصابات الجسدية، والاضطرابات النفسية، ومشكلات النوم والتركيز، والتأثير المباشر في جودة الحياة والتواصل الاجتماعي.
وأوضحت أن التعرض المتكرر للعنف يرتبط بزيادة احتمالات الاكتئاب واضطرابات القلق وأعراض ما بعد الصدمة التي تظهر في صورة كوابيس وذكريات مؤلمة وشعور مستمر بالخطر، إلى جانب أعراض جسدية كالصداع وآلام الظهر والبطن واضطرابات الجهاز الهضمي المرتبطة بالتوتر.
وبيّنت أن الأطفال المعرضين للعنف أو الشاهدين عليه تظهر عليهم غالباً مؤشرات الخوف والقلق والعزلة وصعوبات التعلم والتراجع الدراسي، مما يتطلب تضافر جهود المدارس والمؤسسات الصحية والاجتماعية لملاحظة هذه التغيرات والتعامل معها بمهنية وسرية تامة.
التداعيات الاجتماعية والاقتصادية
ولفتت الفاخري إلى أن استمرار العنف يفضي إلى إضعاف الثقة والمودة بين أفراد الأسرة وتحويل العلاقات إلى خوف وحذر، وقد يؤدي إلى الانفصال أو الاستمرار الظاهري مع التوتر الدائم، ناهيك عن العزلة الاجتماعية والتغيب عن العمل وتكاليف العلاج النفسي.
وأكدت أن عدم الإبلاغ عن العنف لا يعني غياب الضرر، إذ تحول عوائق عدة دون طلب المساعدة كخوف الضحية على الأطفال أو عدم توفر سكن بديل أو خشية عدم التصديق، مشددة على أهمية التعامل مع المتضررين دون لوم أو ضغط واحترام خصوصيتهم وتوفير خيارات آمنة لهم.
أرقام دولية.. والحاجة إلى بيانات محلية دقيقة
وفي سياق عرض المؤشرات، أشارت الفاخري إلى أن بيانات منظمة الصحة العالمية تفيد بأن امرأة واحدة من كل ثلاث نساء في العالم تتعرض للعنف الجسدي أو الجنسي خلال حياتها، مؤكدة في الوقت ذاته أهمية إجراء دراسات ميدانية حديثة وموثوقة في ليبيا لقياس حجم الظاهرة وأشكالها بدقة دون تعميم أو افتراضات مسبقة.
وأضافت أن نقص البيانات الوطنية الحديثة لا يعني غياب الظاهرة، بل يبرز الحاجة الماسة إلى تحسين آليات جمع المعلومات وتحديثها، مع التمييز بين الحالات المسجلة لدى المؤسسات والعدد الفعلي للحالات المكتومة بسبب الخوف أو الوصمة الاجتماعية.
الوقاية والحماية.. مسؤولية مشتركة
وأكدت الفاخري أن معالجة العنف الأسري تتطلب منظومة متكاملة تشمل الوقاية والحماية والرعاية الصحية والنفسية والمساءلة القانونية، مع إعطاء الأولوية لسلامة المتضررين وتدريب الكوادر في القطاعات المختلفة على الكشف المبكر والتعامل الآمن وضمان السرية.
وشددت على أهمية دور وسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمعية في تصحيح المفاهيم الخاطئة، ونشر قيم الرحمة والعدل، وتسهيل طلب المساعدة دون استخدام الوساطات الاجتماعية للضغط على الضحايا للعودة إلى بيئات غير آمنة.
تفعيل مكتب أمني لحماية الأسر المعنفة
من جانبها، جددت العبار دعوتها إلى تعزيز برامج التوعية قبل الزواج وبعده، وتفعيل مكتب أمني متخصص بالتنسيق مع الجهات الأمنيّة يتولى التعامل مع حالات العنف الأسري المتكرر التي تؤدي إلى أضرار جسدية أو نفسية جسيمة وتعجز التدخلات الاجتماعية عن احتوائها.
وأوضحت أن هذا المكتب المقترح ينبغي أن يضم عناصر نسائية ورجالية لتلقي البلاغات عبر أرقام مخصصة، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق مرتكبي العنف وفقاً للقانون بما يشمل الحبس أو الغرامات والتعهدات القانونية، حمايةً لأفراد الأسرة وضماناً لكرامتهم.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن مواجهة العنف الأسري تتطلب خططاً وطنية متكاملة تتظافر فيها جهود الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الصحية والقانونية، للوصول إلى بيئة مجتمعية آمنة تسودها قيم الاحترام والحوار.(كالة الأنباء الليبية – بنغازي) أ د
متابعة: زهرة البركي